اجتاحت موجة من الغضب الطلابي شوارع العاصمة الألمانية برلين وعدة مدن أخرى، حيث شارك آلاف التلاميذ في إضراب مدرسي واسع النطاق للتعبير عن رفضهم القاطع لخطط الحكومة الاتحادية الرامية لإعادة الخدمة العسكرية تدريجياً. ورفع المشاركون في المسيرات شعارات تندد بتحويل الشباب إلى أدوات في النزاعات المسلحة، مؤكدين أن أولويات الجيل الحالي تكمن في بناء المستقبل وليس الانخراط في التشكيلات العسكرية.
وتأتي هذه التحركات الميدانية بالتزامن مع إجراءات عملية اتخذتها وزارة الدفاع الألمانية، تمثلت في البدء باستدعاء الشبان الذين أتموا عامهم الثامن عشر لإجراء فحوص طبية إلزامية تمهيداً لفرزهم. وأفادت مصادر بأن حالة من الاستياء سادت أوساط الطلاب بعد أن شملت هذه الاستدعاءات أفراداً كانوا قد أعربوا صراحة في استمارات رسمية عن عدم رغبتهم في الالتحاق بالقوات المسلحة، مما اعتبره المحتجون تجاهلاً لإرادتهم الشخصية.
وفي قلب العاصمة برلين، احتشد نحو 9 آلاف متظاهر وفقاً لتقديرات الجهات المنظمة، حيث رفعوا لافتات كتب عليها 'لسنا وقوداً للمدافع'. وانتقد قادة الحراك الطلابي بشدة السياسات المالية للحكومة، مشيرين إلى أن تخصيص ميزانيات هائلة لتسليح الجيش يأتي على حساب قطاع التعليم الذي يعاني من تهالك البنية التحتية ونقص الموارد، بالإضافة إلى تراجع جودة الخدمات الاجتماعية الأساسية.
ويمثل قانون تحديث الخدمة العسكرية الذي بدأ تطبيقه فعلياً في يناير الماضي تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية والأمنية لألمانيا، حيث ينهي حقبة استمرت لسنوات من تعليق التجنيد. وكان العمل بالتجنيد الإجباري قد توقف في عام 2011 خلال فترة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، إلا أن التوترات الجيوسياسية الراهنة دفعت برلين لإعادة النظر في حجم قوتها البشرية العسكرية.
وتسعى الحكومة الألمانية من خلال هذه الخطوات التشريعية إلى معالجة النقص الحاد في صفوف القوات المسلحة 'بوندسفير'، والتي تضم حالياً نحو 186 ألف عسكري ونحو 81 ألف موظف مدني. وتهدف الاستراتيجية الدفاعية الجديدة إلى رفع كفاءة الجيش وقدرته على الاستجابة للتحديات الأمنية المتزايدة في القارة الأوروبية، عبر ضمان تدفق مستمر للمجندين الجدد وتوسيع قاعدة الاحتياط.
وتطمح الخطة الطموحة التي وضعتها وزارة الدفاع إلى الوصول بعدد الجنود العاملين إلى أكثر من 260 ألف جندي بحلول عام 2035، إضافة إلى تجهيز نحو 200 ألف من جنود الاحتياط. هذا التوسع الكبير يعكس رغبة ألمانيا في التحول إلى قوة عسكرية ضاربة في أوروبا خلال العقد المقبل، وهو ما يقابل بمعارضة شرسة من قطاعات شبابية ترى في هذا التوجه عودة لسياسات عسكرية عفا عليها الزمن.
التعليقات (0)