بقلم: محمد مصطفى شاهين في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يُفترض أن تُرفع راية القانون الدولي فوق رايات الدول، وقف الرجل الذي يسميه العالم «رئيس وزراء إسرائيل» ووقف التاريخ يراقبه ساخرًا. وقف بنيامين نتنياهو، لا ليعتذر عن دماء أريقت، ولا ليحاسب نفسه على مدنٍ دُمّرت، بل ليعلن أمام الملأ أنّه البريء الوحيد في هذه المسرحية الكونية، وأنّ من خرجوا من القاعة «جبناء أخلاقيون»، وأنّ تهمة الإبادة الجماعية هي «أكبر أكذوبة في القرن».
يا لها من مفارقة تليق بمسرح العبث!
الرجل الذي يقف أمام خريطة العالم وهو يلوّح بسيف «الدفاع عن النفس»، ينسى – أو يتناسى – أنّ الدفاع عن النفس لا يبيح تحويل شعبٍ بأكمله إلى رهائن في سجنٍ مفتوح، ولا يحوّل المستشفيات إلى أنقاض، ولا يجعل الأطفال أرقامًا في إحصائيات «الأضرار الجانبية». القانون الدولي الإنساني، ذلك الجسد الهش الذي ولد من رماد الحرب العالمية الثانية، يُعرّف الإبادة الجماعية في اتفاقية عام ١٩٤٨ بأنها الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية. فهل نحتاج إلى خبراء في لاهاي ليقرأوا لنا معاني القصف المتواصل، والحصار، والتجويع، والتدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية؟ أم أنّ الحقيقة باتت من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى ترجمة؟
نتنياهو يقول: «إسرائيل لم ترتكب إبادة… إسرائيل منعت إبادة». عبارة تُذكّر بقول الجلاد حين يُسأل عن ضحاياه: «أنا أنقذهم من أنفسهم». هذه هي لغة السلطة حين تفقد آخر خيوط الشرعية الأخلاقية، فتختبئ وراء شعارات «الأمن» و«الوجود» و«الحضارة». وهو ذاته الخطاب الذي استخدمته كل القوى الاستعمارية عبر التاريخ: نحن نحمل مشعل النور إلى الظلام، ونحن نُعلّم الهمج كيف يعيشون… ولو بالدماء.
في خطابه، يستعرض انتصاراته على «سبع جبهات»: حماس، وحزب الله، وإيران، والحوثيين، والمليشيات في العراق وسوريا، والمقاومين في الضفة. يتحدث وكأنه قائد جيش أسطوري يدافع عن قلعة محاصرة، بينما الحقيقة أنّه يقود آلة عسكرية مدعومة بأعظم ترسانة في المنطقة، مدعومة من حلفاء يملكون حق النقض في مجلس الأمن. أين هي «القلعة المحاصرة» حين تكون الطائرات تُحلق بحرية مطلقة فوق سماء غزة، والصواريخ تسقط حيث تشاء، والصحفيون يُقتلون وهم يحملون كاميراتهم، والمستشفيات تُقصف وهي ترفع راية الصليب الأحمر؟
والمفارقة الأكبر أنّ الرجل يتحدث عن «الأخلاق» وهو يصف من خرجوا من القاعة بأنهم جبناء. الأخلاق في عرف هذا الخطاب ليست ما يفعله القوي بالضعيف، بل ما يقوله القوي عن نفسه. الأخلاق هنا سلعة تُوزَّع حسب المصلحة، وقانون يُطبَّق على الضعفاء ويُستثنى منه الأقوياء. هذا هو جوهر الازدواجية التي تعيشها المنظومة الدولية منذ تأسيسها: قانون لـ«نحن»، وآخر لـ«هم».
التعليقات (0)