لم يكن قرار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة من خلال بناء «قائمة ائتلاف فلسطين المستقبل» قراراً انتخابياً عابراً، ولا مجرد صيغة للبحث عن مقاعد في المجلس التشريعي، وإنما جاء تعبيراً عن قراءة سياسية لطبيعة المرحلة الفلسطينية، وللتحولات التي طرأت على المجتمع والقوى السياسية، وللحاجة إلى تجديد أدوات العمل الوطني والديمقراطي، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع من حدود التنظيمات والفصائل، فالانتخابات في الظروف الفلسطينية الراهنة لا يمكن اختزالها في منافسة بين قوائم أو في حسابات عددية حول فرص كل قوة، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها محطة سياسية لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الحياة الديمقراطية، واستعادة دور المواطن، وإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي على أساس المشاركة والمساءلة والتمثيل الحقيقي.
من هنا تبرز أهمية خيار جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بالانفتاح على مكونات وشخصيات من المجتمع، وبناء ائتلاف انتخابي لا يقوم على الهوية الحزبية وحدها، وإنما على مساحة مشتركة من الرؤية والبرنامج والمصلحة الوطنية والاجتماعية، وهو خيار جريء؛ لأن الطريق الأسهل لأي تنظيم سياسي هو أن يخوض الانتخابات بقائمة حزبية مغلقة، مستنداً إلى بنيته التنظيمية وجمهوره التقليدي وأدواته المعتادة، أما فتح المجال أمام شخصيات ومكونات من خارج البنية التنظيمية، والدخول في شراكة سياسية ومجتمعية أوسع، فيعني الذهاب إلى تجربة مختلفة تتطلب مرونة سياسية، وثقة بالمجتمع، وقدرة على إدارة التنوع والاختلاف ضمن إطار مشترك.
لكن الجرأة الحقيقية في هذا القرار لا تكمن في شكل القائمة وحده، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن المجتمع الفلسطيني أكبر من الفصائل، وأن السياسة الفلسطينية بحاجة إلى استعادة صلتها بالمجتمع، وأن العمل الوطني لا يمكن أن يبقى محصوراً في الأطر التنظيمية التقليدية، فالمجتمع الفلسطيني شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة، واتسعت المسافة لدى قطاعات من المواطنين بين الخطاب السياسي التقليدي وبين الأسئلة التي تواجههم في حياتهم اليومية، من العمل والدخل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى الحريات العامة والعدالة وتكافؤ الفرص، وفي المقابل، برزت أدوار متزايدة للشخصيات المهنية والمجتمعية والنقابية والأكاديمية والشبابية والنسوية والفعاليات المدنية، ولذلك لم يعد كافياً أن تتحدث الأحزاب باسم الناس؛ بل المطلوب أن تفتح المجال أمام الناس ليكونوا شركاء في صياغة البرامج والسياسات والخيارات الوطنية.
وهنا يأتي معنى «ائتلاف فلسطين المستقبل» باعتباره محاولة للانتقال من مفهوم التمثيل الحزبي الضيق إلى مفهوم أوسع للشراكة السياسية والمجتمعية، فالقائمة، لكي تكتسب معناها الحقيقي، يجب ألا تكون مجرد مجموعة من المرشحين، وإنما إطاراً يجمع رؤى وتجارب مختلفة حول برنامج مشترك، ويمنح المجتمع فرصة أوسع للمشاركة في صناعة القرار السياسي.
ولا يعني ذلك أن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تدخل هذه التجربة من موقع التخلي عن هويتها السياسية أو برنامجها الوطني والاجتماعي، بل على العكس، فإن الانفتاح على المجتمع يمكن أن يكون وسيلة لتوسيع دائرة تأثيرها وربط تجربتها السياسية والتنظيمية بمكونات اجتماعية أوسع، فالقوة السياسية لا تقاس فقط بحجم التنظيم، وإنما أيضاً بقدرته على التجدد والانفتاح والاستجابة للتحولات الاجتماعية، وتحويل الأفكار والمبادئ إلى برنامج قادر على مخاطبة الناس والدفاع عن مصالحهم.
وهنا يصبح البرنامج الانتخابي هو الاختبار الحقيقي للائتلاف، فإذا كان «ائتلاف فلسطين المستقبل» يريد أن يقدم نفسه باعتباره إطاراً سياسياً ومجتمعياً مختلفاً، فعليه أن يطرح برنامجاً واضحاً ومحدداً يجيب عن الأسئلة الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية التي تواجه الفلسطينيين، بدءاً من مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية، مروراً بإنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي والمؤسسات على أسس ديمقراطية، وصولاً إلى الاقتصاد والعمل والحماية الاجتماعية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية.
التعليقات (0)