في الضفة الغربية، لا نعيش فقط واقعًا صعبًا، بل نعيش أيضًا سباقًا يوميًا على كيفية إظهاره. فهناك فرق أحيانًا بين ما نعيشه فعلًا وبين ما نختار أن نعرضه على المنصات. ولهذا لم يعد المكياج مرتبطًا بالوجه وحده، بل صار للموقف مكياجه، وللغضب مكياجه، وللنجاح مكياجه، وحتى للتعب أحيانًا صيغة مناسبة للنشر. نختار الصورة، نراجع العبارة، نخفف كلمة ونرفع أخرى، ثم نسأل أنفسنا قبل أن ننشر: كيف سيرانا الناس؟
في واقعنا الفلسطيني، تبدو المسألة أكثر حساسية. الناس تعيش ضغوطًا اقتصادية، وحواجز، وتعطلًا في الحركة، وقلقًا متواصلًا على العمل والدخل والمستقبل، وتتراجع القدرة الشرائية لدى كثير من الأسر، لكنك حين تفتح المنصات قد تجد عالمًا مختلفًا تمامًا: مشاريع ناجحة باستمرار، حياة مرتبة، ابتسامات دائمة، إنجازات لا تتوقف، ومواقف مصقولة بعناية. وهنا أسأل: هل نحن ننقل واقعنا فعلًا، أم نضع له قليلًا من المكياج حتى يصبح أكثر احتمالًا لنا وللآخرين؟
حتى من يكتب بجرأة على المنصات يعيش هذا التناقض. هل يقول ما يعتقده كما هو، أم يخفف الجملة كي لا يخسر المتابع؟ هل ينتقد لأنه مقتنع، أم لأنه اكتشف أن النقد يجلب التفاعل؟ وإذا أعجب الناس بما كتب، فهل أعجبوا بالفكرة أم بطريقة تقديمها؟ أحيانًا يبدأ الإنسان برأي حقيقي، ثم يكتشف الشكل الذي يحبه الجمهور، وبعد فترة قد يصبح أسيرًا لهذا الشكل، فيكرر نفسه لأن الخوارزمية والجمهور ينتظران منه النسخة ذاتها.
وهنا يصبح المكياج الرقمي قضية اقتصادية أيضًا. صاحب المشروع قد يظهر نشاطًا وحركة قوية بينما السوق يعاني. التاجر ينشر صور الزبائن والمنتجات الجديدة وربما يخفي قلقه من الركود. الموظف يبدو مستقرًا رغم أن دخله لم يعد يكفي احتياجاته. والمؤسسة تتحدث عن الإنجازات، بينما التفاصيل الداخلية قد تكون أكثر تعقيدًا. لا أرى مشكلة في تقديم صورة إيجابية، فالأمل ضرورة، والتسويق جزء من الحياة الاقتصادية، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة بديلاً عن الحقيقة، وعندما نصدق نحن أنفسنا ما صنعناه للآخرين.
وفي العلاقات الاجتماعية يحدث الشيء نفسه. نحن نعرض أجمل لحظاتنا ونخفي الخلافات والضغوط والتعب. قد ترى علاقة تبدو مثالية على المنصة بينما أصحابها بالكاد يتحدثون في الواقع، وقد ترى شخصًا يبدو سعيدًا طوال الوقت بينما يحمل داخله همومًا لا يعرف عنها المتابع شيئًا. المشكلة ليست في الخصوصية، فالإنسان ليس مطالبًا بعرض أوجاعه للناس، لكن الخطورة تبدأ عندما نقارن حياتنا الحقيقية بحياة الآخرين المعدلة. نحن نقارن يومنا بكل تفاصيله بصورة اختارها شخص آخر من بين عشرات الصور.
وفي مجتمع صغير مثل مجتمعنا في الضفة، تصبح المفارقة أكثر وضوحًا. الناس تعرف بعضها، وتلتقي في السوق والشارع والعمل والمناسبات، ولذلك قد نعرف الحقيقة ونشاهد نسختها الرقمية في الوقت نفسه. نعرف أن المشروع متعثر ثم نقرأ عن نجاحه الكبير، ونعرف حجم الضغوط التي يعيشها شخص ما ثم نراه يقدم حياة تبدو بلا مشكلة. وهنا يتحول المكياج الرقمي أحيانًا إلى وسيلة للدفاع عن النفس أمام مجتمع سريع في الحكم، وكأن الإنسان أصبح مطالبًا بأن يبدو قويًا حتى لا يُشفق عليه، وناجحًا حتى لا يُقال إنه فشل، وسعيدًا حتى لا يسأله أحد ما الذي حدث.
التعليقات (0)