منذ دخلت الانتخابات إلى حياة الشعوب والمجتمعات، لم يسجّل التاريخ انتخاباتٍ لا تجاوزاتٍ فيها، سواءٌ من حيث مقدمّاتها والقوانين التي تنظمها، والتعامل مع نتائجها.
الشعب الفلسطيني ليس استثناءً في مجال الانتخابات عن سائر شعوب المعمورة، رغم أنه الاستثناء الوحيد في الحاضر، بحيث لا دولةً له ولا سيادة، بل هو ما يزال واقعاً تحت احتلالٍ غاشمٍ فرض عليه موتاً يومياً ووقفاً لنموّه الطبيعي، كباقي الشعوب.
يوم السبت 25/4/2026، جرت انتخاباتٌ محليةٌ في بلادنا، لم نتمكّن من اجراءها في كل غزة، إلا أن دير البلح التي مارس أهلها حقّهم الانتخابي سجّلوا حقيقةً مضيئة، وهي أن الصعوبات مهما تعاظمت، لا تمنع الناس عن خيارهم الحضاري الأول، وهو انتخاب ممثليهم من البلدية إلى البرلمان إلى الرئاسة، ونظراً للحالة الاستثنائية المفروضة على فلسطين كلها، فإن للانتخابات دوراً خاصاً فيها، ففيها ازدواجيةٌ بنّاءة، فهي من جهة انتخاباتٌ لأداء خدماتٍ ضروريةٍ وأساسيةٍ للمواطن، ومن جهةٍ ثانية هي تظاهرةٌ فعّالة للبقاء على أرض الوطن، في زمن دعوات وقرارات التفريغ والتهجير، والحرمان السياسي من حق تقرير المصير.
نجحت انتخابات المجالس المحلية، رغم كل الثغرات التي اعترتها، نجحت في الحملات التي سبقت يوم السبت، بحيث كانت أدبياتها وطنيةً ملتزمةً ولا تشوبها شائبة، وكذلك التزاماتها الخدمية، فهي رسالتها التي سوف يحاسبها الناس عليها، فإن أدّوها بصورةٍ مقنعة، فسوف يُشكرون على أدائهم ويُعاد انتخاب من يرغب منهم، وإن قصّروا فصندوق الاقتراع هو الحكم على مصيرهم.
الانتخابات تجربة، ينبغي أن تُدرس جيداً لمعرفة جوانب الخلل فيها، كي يجري تفاديها في الانتخابات القادمة، وهذا يُملي واجب أن تكون دوريةً ومنتظمةً ولا مجال فيها للتأجيل أو الإلغاء، وإذا كانت ظاهرة الفوز بالتزكية تشوبها تحفظاتٌ وانتقاداتٌ كثيرة، رغم أنها قانونية، إلا أنها غير مستحبّة في مجال التنافس الانتخابي، الذي يُعطي للسباق حرارته، وفعله التعبوي، الذي يحتاجه الوطن والمواطن.
في كل مكانٍ على وجه الأرض، تكون الانتخابات وسيلةً لشرعية القيادة والحكم، أمّا في فلسطين فهي أعمق من ذلك وأهم، إنها المجال الحيوي لنمط مقاومةٍ فعّالةٍ ضد الاحتلال بكل أشكاله ومشاريعه، وهي كذلك المؤثر المباشر في تحسين ظروف حياة الناس، عبر توفير الخدمات الضرورية لبقائهم وتعميق علاقتهم وعلاقة أجيالهم بالوطن والمواطنة الأصيلة والصحيحة.
💬 التعليقات (0)