f 𝕏 W
الرئيس و الملك و المجرم

راية اف ام

سياسة منذ 49 دق 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

الرئيس و الملك و المجرم

ثلاثة رجال وقفوا أمام المنبر نفسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنهم لم يحملوا الرسالة ذاتها، ولم يتحدثوا من الموقع الأخلاقي والسياسي نفسه. رئيس مُنع من الوصول إلى نيويورك، فحضر بصوته وغاب بجسده؛ وملك وصل إلى المنبر حاملاً مسؤولية وطنه وقضايا أمته، فدافع عن السلام والحق والإنسان؛ ورئيس حكومة إحتلال حضر إلى القاعة، لكنه اختار أن يتحدث من موقع القوة والحرب. ثلاثة خطابات، إذن، لكنها في العمق ثلاث صور مختلفة للسياسة: السياسة باعتبارها حقًا، والسياسة باعتبارها مسؤولية، والسياسة حين تنفصل عن القان

ثلاثة رجال وقفوا أمام المنبر نفسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنهم لم يحملوا الرسالة ذاتها، ولم يتحدثوا من الموقع الأخلاقي والسياسي نفسه. رئيس مُنع من الوصول إلى نيويورك، فحضر بصوته وغاب بجسده؛ وملك وصل إلى المنبر حاملاً مسؤولية وطنه وقضايا أمته، فدافع عن السلام والحق والإنسان؛ ورئيس حكومة إحتلال حضر إلى القاعة، لكنه اختار أن يتحدث من موقع القوة والحرب. ثلاثة خطابات، إذن، لكنها في العمق ثلاث صور مختلفة للسياسة: السياسة باعتبارها حقًا، والسياسة باعتبارها مسؤولية، والسياسة حين تنفصل عن القانون والإنسان.

الرئيس محمود عباس لم يُمنح فرصة الوقوف أمام المنبر بنفسه، بعد منعه من الحصول على التأشيرة اللازمة لدخول الولايات المتحدة، لكن غيابه الجسدي لم يمنع حضوره السياسي. لقد وصلت كلمته إلى الجمعية العامة عبر تسجيل مصور، وكأن المفارقة التاريخية تقول إن المنع يمكن أن يغلق بابًا، لكنه لا يستطيع أن يغلق قضية. فالرئيس هنا لم يكن يتحدث فقط باسم مؤسسة سياسية، وإنما كان يتحدث باسم شعب يصر على أن وجوده وحقوقه وتطلعاته ليست مسائل قابلة للحذف بقرار إداري أو بإجراء سياسي.

وهنا تكمن قيمة خطاب الرئيس الفلسطيني: أنه أعاد القضية إلى أصلها، إلى الإنسان وحقه في تقرير مصيره وحريته واستقلاله، وإلى الدولة التي يريدها الفلسطينيون دولة ديمقراطية ذات سيادة، تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. لقد تحدث عن غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية باعتبارها وحدة سياسية وجغرافية لا يجوز تفكيكها، وعن ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه، ومن التعامل مع نتائجه إلى معالجة أسبابه. الرئيس، في هذه الصورة، هو صاحب الحق؛ والحق لا يحتاج إلى تأشيرة كي يكون حقًا، ولا يفقد شرعيته لأن العالم تعب من سماعه، ولا يصبح أقل عدالة لأن أزمات أخرى أخذت مكانه في نشرات الأخبار.

ثم يأتي الملك عبدالله الثاني، في صورة مختلفة تمامًا. لم يكن في خطابه مجرد ملك يتحدث باسم الأردن، وإنما قائد دولة يدرك أن الجغرافيا تفرض على الأردن أن يكون حاضرًا في كل ما يتعلق بفلسطين والقدس والأمن الإقليمي، وأن محدودية الموارد لا تعني محدودية الإرادة أو القدرة على التأثير. لقد تحدث من موقع المدافع؛ المدافع عن الأردن وأمنه وحدوده ومياهه، والمدافع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، والمدافع عن حل الدولتين، والمدافع في الوقت نفسه عن فكرة السلام باعتبارها مشروعًا سياسيًا لا مجرد شعار دبلوماسي.

ولهذا أعتقد أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني يستحق أن يُدرس في الجامعات، ليس لأنه خطاب ملك عربي، وإنما لأنه قدم قراءة عميقة لطبيعة السياسة الدولية في زمن الإعلام السريع والأزمات المتلاحقة. فقد التقط جلالته فكرة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة، حين تحدث عن تراجع متوسط انتباه الإنسان أمام الشاشة، ثم نقلها إلى مستوى جيوسياسي بالغ الأهمية: ما الذي يختار العالم أن ينتبه إليه؟ وما الذي يختار أن ينساه؟ ومن يقرر أن أزمة ما تستحق الاهتمام، بينما تتحول أزمة أخرى إلى خبر قديم؟

هذه الفكرة وحدها تصلح لأن تكون موضوعًا أكاديميًا في العلاقات الدولية والإعلام السياسي؛ لأن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمات كثيرة، وإنما يعاني أيضًا من قصر الذاكرة السياسية. وما لا يحظى بالانتباه يتراجع في سلم الأولويات، وما يتراجع في سلم الأولويات قد يفقد الضغط السياسي والدبلوماسي والإنساني الذي يحتاجه. لكن المأساة لا تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية، والطفل الذي يفقد منزله لا يستعيده لأن الكاميرات غادرت المكان، والمدينة التي تُدمر لا تعود إلى الحياة لأن العالم انتقل إلى خبر آخر.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)