f 𝕏 W
حين يصبح الضوء احتمالاً  قراءة في قصيدة «موارباً للضوء» لمحمد علوش

وكالة قدس نت

اقتصاد منذ 49 دق 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يصبح الضوء احتمالاً قراءة في قصيدة «موارباً للضوء» لمحمد علوش

صابر المرزوقي يكتب :حين يصبح الضوء احتمالاً قراءة في قصيدة «موارباً للضوء» لمحمد علوش

لا يأتي الضوء في قصيدة «موارباً للضوء» بوصفه استعارة جاهزة للخلاص، ولا بوصفه الضد الطبيعي للعتمة، فمنذ العنوان، يسحب الضوء من وضوحه الرمزي المعتاد، ويدفع إلى منطقة ملتبسة لا يستقر فيها على حال، و «موارباً» ليست صفة عابرة تضاف إلى الضوء، بل هي التي تحدد طريقة حضوره في القصيدة: حضور ناقص، مشروط، مؤجل، لا يبدد العتمة بقدر ما يكشف أنها لم تحكم إغلاقها تماماً، ولعل هذا ما يمنح النص مناخه الدلالي الأشد رسوخاً؛ فالقصيدة لا تكتب الخروج من الظلام، وإنما تكتب ما يبقى من إمكانية للخروج.

العنوان، بهذا المعنى، لا يعلن موضوع القصيدة بقدر ما يضع قارئها أمام وضعية وجودية، فالمواربة فعل يقع في المسافة بين الفتح والإغلاق، بين السماح والمنع، ولذلك فإن «الضوء» الذي يستند إليها لا يمكن قراءته باعتباره حقيقة مكتملة، إنه أثر أكثر منه حضوراً، وإمكان أكثر منه تحققاً، ومنذ اللحظة الأولى، تتخلى القصيدة عن الثنائية المريحة التي تجعل الظلام نقيضاً للنور، لتقيم توترها داخل الظلام نفسه: كيف يمكن لشيء هش، محدود، وشبه غائب أن يحتفظ بقدرته على الدلالة؟

في هذا السياق تأتي العبارة «لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني» بوصفها أكثر من نداء للعودة، فالباب هنا ليس عنصراً في المشهد، وإنما حدٌّ تتقاطع عنده ثنائيات الحضور والغياب، الداخل والخارج، الانتماء والاقتلاع، والتكرار لا يكتسب قيمته من مجرد عودته الصوتية، بل من تغير موقعه داخل حركة القصيدة، فالجملة التي تبدو في ظاهرها ثابتة لا تبقى دلالتها ثابتة بالضرورة؛ إذ تتحول، مع تراكم الفقد، من طلب للعبور إلى مقاومة لفكرة الإغلاق ذاتها، وهذه إحدى الوظائف التي يستطيع التكرار الشعري أن يؤديها حين لا يكون زائداً عن الحاجة: أن يعيد العبارة إلى النص بعد أن تكون التجربة قد غيّرت معناها.

يأتي المتكلم «من التعب الطويل»، وهي عبارة تضع الجسد الشعري منذ البداية داخل زمن مستنفد، لكنه لا يصل من فراغ؛ يحمل «بقايا نجمة»، وفي هذه الإضافة القصيرة تتحدد إحدى طرائق القصيدة في بناء الضوء، فالنجمة لا تحضر كاملة، ولا تقدم نفسها بوصفها مصدراً مستقراً للهداية؛ الذي يصل إلى المتكلم ليس النجمة، وإنما ما بقي منها، والضوء هنا ليس ضوءاً بالمعنى الفيزيائي ولا حتى الرمزي المكتمل، بل بقايا ضوء انتقلت من الخارج إلى الداخل، ومن المشهد إلى الذاكرة.

هذه «البقايا» ليست تفصيلاً جمالياً، إنها تكاد تكون مفتاحاً لفهم اقتصاد القصيدة كله، فالنجمة، والقنديل، والصباح، والغناء لا تظهر في فضاء انتصر فيه النور، وإنما داخل عالم ما زال محكوماً بالليل والرصاص والخراب والغياب، لذلك لا تتحرك القصيدة وفق منطق الاستبدال، حيث يزيح الضوء العتمة، بل وفق منطق التعايش المتوتر: النور موجود لأن العتمة موجودة، وقيمته تتحدد بمدى قدرته على البقاء داخلها.

حين يقول الشاعر إنه يجر خلفه «ليل مدائن كاملة»، تتجاوز الذات حدود سيرتها الفردية، فالليل لم يعد حالة نفسية تخص المتكلم وحده؛ إنه تاريخ مكان يحمل، وذاكرة جماعية تُستعاد في هيئة ثقل شخصي، فالمدينة هنا ليست ديكوراً مكانياً، وإنما جزء من تكوين الذات، وما تحمله الذات معها ليس صورة المكان، بل ما تركه المكان فيها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة قدس نت
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)