منذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه، لم تكن الحروب الكبرى، أو الأوبئة، أو انهيارات الحضارات مجرد أحداث عابرة، بل كانت دائمًا لحظات فارقة يعود فيها إلى السؤال الأقدم: هل ما يجري حولنا مجرد سلسلة من المصادفات التاريخية، أم أن هناك تحولًا أعمق ينساب خلف المشهد؟ ففي أوقات الاضطراب لا يبحث الإنسان عن الخبر اليومي المادي فحسب، بل يفتش عن المعنى؛ عن قصة كبرى تفسر له سر تغير العالم بهذه السرعة، وتكشف له عن الجهات التي تملك القدرة على رسم ملامح المستقبل.
ربما لهذا السبب تبدو المرحلة الراهنة مختلفة في الوعي الجمعي؛ فقد خرج العالم من أزمات اقتصادية وحروب متلاحقة، ليعبر جائحة عالمية أعادت تشكيل علاقة الفرد بالمؤسسات، وطرحت أسئلة جادة حول مفهوم السلطة، والعلم، والتكنولوجيا، والحدود الفاصلة بين الأمن الجماعي والحرية الفردية. ومع توسع دور الذكاء الاصطناعي وهيمنة البيانات الرقمية، لم يعد السؤال يقتصر على الأدوات الجديدة التي نملكها، بل امتد إلى من يملك القدرة على توجيهها، ولأي غايات يمكن أن تُسخَّر.
في هذا المناخ المتوتر، برز السياسي الروماني كالين جورجيسكو بخطاب نقدي حاد تجاه النظام العالمي المعاصر. فهو لا يرى العالم من خلال صراعات الدول التقليدية فقط، بل يتحدث عن منظومات قوة عابرة للحدود تسيطر، في نظره، على قرارات حيوية تتعلق بالاقتصاد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا. وفي أطروحاته، لا تُعد مؤسسات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس مجرد منصات للتنسيق بين الحكومات، بل أجزاء من شبكة أوسع يصنفها ضمن «الأوليغارشية العالمية».
قد يختلف الكُتّاب في تقييم هذه القراءة، بين من يراها تفسيرًا مبالغًا فيه، ومن يراها تعبيرًا عن قلق واقعي يتصل باتساع الفجوة بين صناع القرار والمتلقين له. لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن في الجزم بصحته المطلقة، بل في كشفه عن سؤال مركزي يؤرق عصرنا: هل ما زال الإنسان قادرًا على التحكم بمسار التاريخ، أم أن العالم غدا محكومًا بشبكات معقدة من المصالح والنفوذ، لا يظهر منها إلا ما يسمح لنا برؤيته؟
وفي قلب هذا الخطاب الناقد، تبرز قضية «الطفل» بوصفها رمزًا أخلاقيًا شديد الحساسية؛ ففي إحدى مقابلاته التلفزيونية، تحدث جورجيسكو عما اعتبره ظاهرة اختفاء واسعة للأطفال حول العالم، مشيرًا، بحسب ما ذكر، إلى أن العدد يتجاوز ثمانية ملايين طفل سنويًا، رابطًا ذلك بجرائم استغلال وانحرافات أخلاقية قال إنها تمتد إلى بعض دوائر النفوذ. ونحن هنا ننقل ما طرحه بوصفه جزءًا من خطابه، من دون تبنٍّ للرقم أو الجزم بصحة هذه التفسيرات. لكن حضور مثل هذه الأفكار يظل كاشفًا عن عمق القلق الذي يحيط بصورة المستقبل؛ فالطفل ليس مجرد فرد يحتاج إلى الحماية، بل هو صورة المستقبل نفسه، وهي الفكرة التي تناولها المنشق السوفييتي يوري بزمنوف في حديثه عن آليات إضعاف المجتمعات وتآكل بنيتها المعنوية.
ولعل اللحظة التي عمقت هذا القلق العالمي كانت جائحة «كوفيد-19»؛ إذ لم تكن مجرد أزمة صحية، بل محطة كشفت هشاشة الأنظمة وأعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والمؤسسات. فقد وجد العالم نفسه أمام إجراءات استثنائية فرضت على الحركة والعمل والصحة العامة، وصارت اللقاحات محورًا لنقاش عالمي حاد بين من رأى فيها إنجازًا علميًا لحماية البشرية، ومن أثار تساؤلات حول سرعة تطويرها وآثارها البعيدة. وانتشرت خلال تلك الفترة ادعاءات ومخاوف عديدة، من بينها ما تعلق بالقدرة الإنجابية والخصوبة؛ وما يهمنا هنا ليس إثبات تلك الادعاءات أو نفيها، بل أثرها الاجتماعي والسياسي في تعميق أزمة الثقة بين الشعوب والمؤسسات، وجعل الجائحة نقطة تحول في النظر إلى مفهوم السلطة وإدارة الأزمات.
التعليقات (0)