f 𝕏 W
خطاب العمالقة

راية اف ام

سياسة منذ 40 دق 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

خطاب العمالقة

في السياسة، هناك كلمات تُقال وتنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تبقى حاضرة في المشهد لأنها تلامس جوهر اللحظة وتضع أمام العالم أسئلة يصعب تجاوزها. من هذا النوع جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وهي كلمة حملت رؤية سياسية متماسكة في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، ووضعت القدس وفلسطين والمقدسات والأمن الإقليمي والقانون الدولي ضمن سياق واحد، بما يعكس قراءة أردنية واعية لحجم التحولات التي تشهدها المنطقة. منذ بداية الخطاب، كان واضحاً أ..

في السياسة، هناك كلمات تُقال وتنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تبقى حاضرة في المشهد لأنها تلامس جوهر اللحظة وتضع أمام العالم أسئلة يصعب تجاوزها. من هذا النوع جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وهي كلمة حملت رؤية سياسية متماسكة في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، ووضعت القدس وفلسطين والمقدسات والأمن الإقليمي والقانون الدولي ضمن سياق واحد، بما يعكس قراءة أردنية واعية لحجم التحولات التي تشهدها المنطقة.

منذ بداية الخطاب، كان واضحاً أن الملك يتحدث من موقع دولة تدرك حساسية المرحلة وتعرف أن الأزمات المتراكمة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فقد طرح أمام المجتمع الدولي سؤالاً يتجاوز تفاصيل الأحداث اليومية: ماذا يحدث عندما يطول الصمت الدولي إلى درجة تسمح للوقائع المفروضة على الأرض بأن تتحول إلى حقائق سياسية جديدة؟ هذا السؤال شكل أحد المرتكزات الأساسية للخطاب، وربط بين مسؤولية المجتمع الدولي تجاه القانون الدولي وبين ما يجري في فلسطين والمنطقة.

وفي تناوله للقضية الفلسطينية، حافظ الخطاب على وحدة المشهد الفلسطيني، فوضع غزة والضفة الغربية والقدس والاستيطان والتهجير والضم والدولة الفلسطينية ضمن صورة سياسية متكاملة. وقد أشار الملك إلى أن ما يجري في غزة من دمار، وما تشهده الضفة الغربية من استيطان ومصادرة للأراضي وضم فعلي، يقود إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة. هذه القراءة تضع القضية في إطارها السياسي والقانوني، وتحول دون اختزالها في الجانب الإنساني وحده، لأن أصل المسألة يتعلق بشعب وأرض وحقوق وطنية وحق في تقرير المصير.

وفي قلب هذا المشهد حضرت القدس بقوة، باعتبارها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة اليومية إلى التاريخ والهوية والقانون والوضع القائم. تأكيد الملك استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس يحمل دلالة سياسية عميقة، لأنه يؤكد أن حماية المقدسات جزء من مسؤولية تاريخية راسخة، وأن أي تغيير في وضعها القائم يحمل تداعيات تتجاوز حدود المدينة إلى أمن المنطقة واستقرارها.

ومن موقعي كباحثة في التاريخ والتراث، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ فالقدس مدينة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والذاكرة والإرث الحضاري، ومقدساتها الإسلامية والمسيحية تشكل جزءاً أصيلاً من شخصية المدينة. ولهذا فإن الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم لا يرتبط بالبعد الديني وحده، وإنما يتصل كذلك بحماية التعدد الحضاري والديني للمدينة ومنع فرض واقع جديد يعيد تشكيل هويتها بالقوة.

وتبرز أهمية الخطاب أيضاً في جمعه بين المقدسات الإسلامية والمسيحية ضمن رؤية واحدة، وهو تأكيد على أن القدس مدينة ذات إرث ديني وإنساني متنوع، وأن حماية مسجدها وكنائسها ومواقعها التاريخية تتطلب احترام خصوصيتها التاريخية والقانونية. وقد جاء هذا الموقف منسجماً مع حديث الملك عن حماية المسيحية وإرثها في موطنها التاريخي، وعن مواجهة خطاب الكراهية والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)