كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي.
قبل أكثر من قرن بدأ مفكرون غربيون يتحدثون عن تراجع حضارتهم، لتتوالى الأوصاف المعبرة عن هذا التصور أو التوقع في صيغة مجازات، باتت محفورة في تاريخ الفكر الإنساني، من قبيل "انحدار الغرب "، و "أفول الغرب "، و "احتضار الغرب "، و "موت الغرب "، لكن أغلب هذا كان يتأسس على أسباب اقتصادية وعسكرية إلى جانب حمولات التاريخ، ومعطيات الجغرافيا السياسية، وأفكار أولئك الذين يعطون أطوار الحضارة الإنسانية مسار حياة أي كائن حي من ميلاد وطفولة فكهولة وشيخوخة ثم موت، لكن الجانب الثقافي ظل دوما في الخلفية، أو مجرد عنصر جانبي لتفسير هذا التراجع، أو سببا ليس أساسيا لوقوعه.
وهناك من ربط هذا التدهور أو الأفول بالمسألة السكانية أو الديمغرافية فرأينا الباحث والسياسي الأمريكي باتريك بوكانان، يرى في كتابه "موت الغرب.. أثر شيخوخة السكان وموتهم وغزوات المهاجرين على الغرب " أن الأمم الغربية قد توقفت عن التكاثر، فتوقف سكانها عن النمو، وراح عددهم ينكمش، منذ الموت الأسود الذي حصد أرواح ثلث سكان أوروبا في القرن الـ14، ما شكل تهديدا خطيرا لبقاء الحضارة الأوروبية.
وشاطره مواطنه الاقتصادي بيتر إف دراكر الرأي ليقر أن الغرب أمام حقيقة لا سابق لها في التاريخ البشري، وهي انهيار نسبة المواليد بين المواطنين الأقحاح لدول العالم المتقدم كله، في وقت تتصاعد فيه الهجرات إليها بشكل غير مسبوق.
على مدار قرون ظلت الكنيسة أو "السلطة الدينية " تتعامل مع الثقافة الحديثة باعتبارها منبعا لإنتاج التفلت والتمرد، بما جعل أصحابها في موضع الريبة، وشاركتها في هذا "السلطة الزمنية" التي كانت تضيق دوما بنزوع المثقفين إلى التحرر، ومقاومة التسلط، والدعوة إلى إبرام عقد اجتماعي بين الشعب وأهل الحكم، يحد من انفرادهم بالقرار
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد تفادت المأزق الديمغرافي الذي تعيشه أوروبا، فإن بوكانان يخبرنا بأن أمريكا تجمع بين أشتات من البشر "لا يوجد مشترك بينهم، لا التاريخ، ولا الأبطال، ولا اللغة، ولا الثقافة، ولا العقيدة، ولا الأجداد ".
التعليقات (0)