في وقت متأخر من الليل، لم تكن أصوات الانفجارات المألوفة أو هتافات الطائرات الحربية هي ما قطع نوم العائلات في غزة، بل هجوم صامت ومباغت لرائحة كريهة وحادة نفذت إلى غرف المنازل وثنايا خيام النزوح، لتنشر حالة عارمة من الفزع والترقب بين المواطنين الذين اعتادوا مواجهة الموت عياناً، ليجدوا أنفسهم هذه المرة في مواجهة خطر غير مرئي يهدد أنفاسهم.
وامتدت الشكاوى والاستغاثات الأهلية من أحياء الشجاعية والدرج والتفاح شرقاً، وصولاً إلى مخيم الشاطئ وبلدة بيت لاهيا غرباً، إثر انبعاث غازات خانقة شديدة النفاذية عمت الأجواء، فيما رصد مواطنون وصحفيون ميدانيون سقوط أجسام غريبة وفقاعات هوائية ألقتها طائرات الاستطلاع ومسيّرات الاحتلال "الزنانة"، مما تسبب في تسجيل عشرات حالات الاختناق وضيق التنفس الحاد، ركزت جلّها في صفوف الأطفال والمسنين داخل مراكز الإيواء المكتظة.
وتأتي هذه الهجمة الكيماوية الصامتة والخطيرة لتكشف عن فضل جديد من فصول الجريمة؛ حيث يتواجد مئات الآلاف من النازحين في بيئة هشة داخل خيام مهترئة لا تقي من ملوثات أو سموم، وسط حصار صهيوني خانق ومشدد يحرم الطواقم الطبية والدفاع المدني من إدخال الأجهزة المخبرية المخصصة لتحليل ماهية الغازات أو البدلات الواقية، في مؤشر تؤكده التقارير الطبية الميدانية بأن الاحتلال يواصل تحويل غزة إلى حقل تجارب لأسلحة محرمة دولياً تُخلف عاهات تنفسية وجلدية مزمنة. أخبار ذات صلة الاحتلال يخنق "الرأس الأحمر" بالاغوار الشمالية سعيا لتهجير سكانها بالكامل الضفة الغربية تحت مقصلة الضم: استيطان متسارع وتهجير صامت في مواجهة غياب الرد العملي
وتتزامن هذه الجريمة المكتومة مع إصرار العدو الصهيوني على ضرب تفاهمات التهدئة ووقف إطلاق النار بعرض الحائط في يومها الـ350، حيث واصلت مدفعية الاحتلال وزوارقه ودباباته ارتكاب الخروقات الميدانية على مدار اليومين الماضيين، مما أسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى في مخيمات النصيرات، والبريج، ومواصي خان يونس، في تأكيد واضح على أن المنظومة الفاشية للاحتلال تدمج بين الإبادة العلنية بالقصف، والإبادة الصامتة بالغازات السامة، لتهجير من تبقى من السكان.
ويقول المواطن عبد الكريم الجيار (53 عاماً) - نازح في مخيم الشاطئ، استيقظت عند الساعة الثانية فجراً على شعور بالاختناق وحرقان شديد في العينين والحلق، واعتقدت في البداية أن هناك حريقاً ضخماً شب في خيام الجيران أو أن القصف طال منشأة قريبة، لكنني حينما خرجت لاستطلاع الأمر، وجدت عشرات النازحين يهرعون في أزقة المخيم المظلمة مصابين بحالة من الهلع، وهم يغطون وجوههم بقطع من القماش المبلل بالماء هرباً من رائحة بيض فاسد وغاز خانق ملأ الأجواء دون وجود أي أثر للنيران أو أعمدة الدخان.
وأضاف في حديثه لـ"فلسطين الآن"، أن الخوف الأكبر كان على الأطفال الصغار والرضع الذين بدأوا بالبكاء المتواصل والسعال الحاد نتيجة تنفس هذا الغاز المجهول، وكنت أرى بالاستعانة بكشاف الهاتف المحمول هالات ضبابية خفيفة وأجساماً أشبه بالفقاعات المتطايرة في الهواء تتساقط ببطء وتتبخر فور ملامستها الأرض، وهو ما أكده الجيران الذين رأوا طائرات الاستطلاع الصهيونية "الزنانة" تحلق بارتفاع منخفض وتطلق هذه المواد قبل انتشار الرائحة بدقائق.
التعليقات (0)