الخميس 24 سبتمبر 2026 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس
أحياناً لا يحتاج الخطاب السياسي إلى كلمات كثيرة كي يكون ثقيلاً. يكفي أن يضع أمامك السؤال الذي يحاول العالم طويلاً تجنبه. وهذا ما فعله الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.في قراءتي، لم يكن الخطاب مجرد تعبير عربي عن التضامن مع فلسطين، بل كان وضعاً للمجتمع الدولي أمام مرآته: ماذا يفعل العالم عندما يعرف ما يحدث، ويمتلك أدوات التأثير، ثم لا يستخدمها بما يكفي؟ السؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث في غزة والضفة الغربية؟ بل أصبح: ماذا بقي من قدرة النظام الدولي على حماية قواعده عندما تتعارض مع مصالح القوى المؤثرة؟ وهنا تكمن قوة الخطاب.فالعالم لا تنقصه المعلومات. ما يحدث في غزة موثق، وما يجري في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة أراضٍ وعنف وتهجير مطروح أمام المؤسسات الدولية. والمجتمع الدولي أصدر على مدى عقود قرارات ومواقف كثيرة بشأن الصراع. لكن المشكلة ليست في نقص المعرفة. المشكلة في الفجوة بين المعرفة والفعل. وهذه الفجوة هي التي تجعل الفلسطيني يشعر بأن القانون الدولي موجود في الوثائق، لكنه لا يصل إلى الأرض بالقوة نفسها التي تصل بها الجرافات والأسلحة وقرارات مصادرة الأرض.عندما تحدث الملك عن العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، فإنه لم يكن، في جوهر الأمر، يطالب بعقاب من أجل العقاب. كان يطرح سؤالاً عن اتساق النظام الدولي: إذا كانت هذه الأدوات موجودة وتستخدم في أزمات أخرى، فهل ينبغي أن تصبح غير قابلة للاستخدام عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟قد تختلف الدول في تفسير الأحداث أو تقييم المسؤوليات، لكن مبدأ واحداً يفترض ألا يكون انتقائياً: القانون لا يفقد معناه عندما يكون الطرف الأقوى هو من يخضع له.وهنا أرى أن جوهر خطاب الملك يتجاوز الحكومة الإسرائيلية الحالية. الحكومات تتغير، لكن الوقائع التي تُفرض على الأرض قد تبقى لعقود. لذلك لا تكمن المسألة فقط في هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية أو تركيب ائتلافه السياسي، وإنما في سؤال أكبر: هل سيقبل المجتمع الدولي بأن تتحول القوة إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع، ثم يُطلب من الفلسطينيين لاحقاً التفاوض على واقع فُرض عليهم؟ إذا حدث ذلك، فلن تكون المفاوضات طريقاً لصناعة السلام، بل قد تتحول إلى وسيلة لتثبيت نتائج القوة.وهنا يجب أن نكون صريحين أيضاً مع أنفسنا؛ الفلسطينيون لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب التي تؤكد التعاطف معهم. يحتاجون إلى نظام دولي يستطيع تحويل التعاطف إلى حماية، والقانون إلى مساءلة، والقرارات إلى نتائج. لكن المسؤولية ليست خارجية فقط. على الفلسطينيين أن يدركوا أن انتظار التحولات في إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أوروبا لا يمكن أن يكون استراتيجية وطنية. الحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والأولويات الدولية تتحرك، لكن القضية الفلسطينية تحتاج إلى قوة سياسية ومؤسسية فلسطينية قادرة على حماية مصالحها في كل الظروف.وهنا تلتقي الرسالة الأردنية مع الحاجة الفلسطينية؛ لا يكفي أن نطالب العالم بتطبيق القانون، علينا أيضاً أن نبني لأنفسنا قوة سياسية ومؤسسية تجعل قضيتنا أكثر قدرة على الصمود والتأثير. لذلك، فإن قيمة خطاب عبدالله الثاني لن تُقاس فقط بما قيل في قاعة الأمم المتحدة، بل بما إذا كان سيولد ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً حقيقياً. فالكلمات قد تصنع لحظة، لكن الإجراءات هي التي تصنع التاريخ. وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط استمرار الحرب. الأخطر أن يعتاد العالم عليها.أن يصبح قتل الأطفال خبراً يومياً، والاستيطان رقماً جديداً، والتهجير خبراً عابراً، وأن تتحول عبارة "القانون الدولي" إلى مصطلح دبلوماسي جميل بلا قدرة على حماية إنسان واحد. لهذا كان خطاب الملك عبدالله الثاني مهماً. ليس لأنه قال للفلسطينيين ما يريدون سماعه، بل لأنه وضع المجتمع الدولي أمام سؤال يمس جوهر النظام الذي بناه العالم بعد الحرب العالمية الثانية: إذا كان القانون الدولي لا يستطيع حماية الإنسان عندما تكون القوة في الجهة الأخرى، فما الذي بقي من معنى هذا القانون؟ هذا هو السؤال الذي يجب ألا ينتهي بانتهاء الخطاب. والسؤال الأصعب الذي يليه: هل يمتلك العالم الإرادة السياسية لتحويل الإجابة من كلمات إلى أفعال؟
الملك عبد الله الثاني يضع العالم أمام مرآته: ماذا بقي من القانون الدولي؟
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)