f 𝕏 W
حين سمّى الملك الأشياء بمسمياتها

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين سمّى الملك الأشياء بمسمياتها

الخميس 24 سبتمبر 2026 8:36 صباحًا - بتوقيت القدس

لم يكن خطاب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، مجرد خطاب أردني آخر عن فلسطين، ولا تكرارًا للمواقف التي اعتاد العالم سماعها في القاعة ذاتها عامًا بعد عام. ما ميّزه هذه المرة هو انتقاله من لغة التحذير إلى لغة التسمية، ومن وصف الخطر إلى تحديد المسؤولية، ومن الدعوة المجرّدة إلى السلام إلى سؤال أكثر إحراجًا للمجتمع الدولي: إذا كانت الأدوات موجودة، فلماذا لا تُستخدم؟في السياسة، كما في الصحافة، تبدأ المساءلة الحقيقية عندما تفقد الكلمات قدرتها على إخفاء الوقائع، وهذا بالضبط ما فعله الملك عندما رفض اللغة المخففة التي باتت تُستخدم لوصف ما يجري في الأراضي الفلسطينية؛ فهدم المنازل لتوسيع المستوطنات ليس مجرد "تنفيذ للقانون"، والاستيلاء على الأرض ليس إجراءً إداريًا، وما يجري في الضفة ليس سلسلة حوادث متناثرة يمكن التعامل مع كل منها بصورة منفصلة. لقد وضعها الخطاب ضمن مسار واحد: أرض تُنتزع، ومستوطنات تتوسع، وتجمعات تُدفع إلى الرحيل، وواقع سياسي وجغرافي جديد يُفرض تدريجيًا حتى يصبح ما كان يُنظر إليه بوصفه مؤقتًا أمرًا دائمًا.بهذا المعنى، كانت قوة الخطاب في وضوحه أكثر منها في ارتفاع نبرته، فالملك لم يقف عند غزة باعتبارها حربًا منفصلة، ولا عند الضفة باعتبارها أزمة استيطان تقليدية، بل ربط بين الساحتين في قراءة سياسية واحدة: تدمير واسع في غزة، وضمّ فعلي متقدّم في الضفة، وفي الحالتين يتقلّص المجال المتبقي أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. إنها قراءة تنقل النقاش من تفاصيل الأزمة اليومية إلى السؤال الأكبر: ماذا سيبقى أصلًا من الأرض ومن إمكانية التسوية إذا استمر تغيير الوقائع، بينما يكتفي العالم بإدارة الصراع بدلًا من حلّه؟وهذا ربما كان أحد أهم أبعاد الخطاب بالنسبة إلينا كفلسطينيين؛ فمنذ سنوات طويلة، يسمعون بيانات دولية "تدين" الاستيطان و"تُعرب عن القلق" من عنف المستوطنين، وتكرر الالتزام بحل الدولتين، بينما تستمر الخريطة نفسها في التغير، ولعل الجديد في خطاب الملك هو أنه وضع هذه المفارقة في قلب الموقف السياسي: المشكلة لم تعد نقصًا في البيانات ولا غموضًا في القانون الدولي، بل الفجوة بين ما يعرفه العالم وما يختار أن يفعله!ومن هنا جاءت أكثر نقاط الخطاب حساسيةً سياسيًا، عندما انتقل الملك من تشخيص العجز الدولي إلى تسمية الأدوات المتاحة: العقوبات، وتجميد الأصول، والحظر، والعزل الدبلوماسي. لم يقل إن المجتمع الدولي لا يملك وسائل الضغط، بل قال عمليًا إن المشكلة تكمن في عدم استخدام الوسائل التي سبق استخدام مثيلاتها في أزمات أخرى.وهذه نقلة مهمة؛ لأن الخطاب بذلك لم يعد مجرد دفاع عن الحقوق الفلسطينية، بل أصبح أيضًا مساءلةً لمنظومة دولية تطالب الآخرين باحترام القواعد، بينما تتردد في تطبيقها عندما تصبح الكلفة السياسية مرتفعة.وهذا البعد تحديدًا يعطي الخطاب معنى عربيًا أوسع. فالملك تحدّث من موقع دولة ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل، وتحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، وفي الوقت نفسه ترى أن استمرار تغيير الحدود والوقائع بالقوة يحمل مخاطر تتجاوز الفلسطينيين إلى الإقليم كله؛ لذلك حدّد خطابه خطًّا سياسيًا واضحًا: القضية الفلسطينية بالنسبة إلى الأردن ليست ملف تضامن خارجيًا، بل تدخل في صميم حسابات الأردن وأمنه واستقراره.لهذا كان من اللافت أن يحافظ الخطاب على معادلة دقيقة بين الدفاع عن الدبلوماسية والتحذير من تفسيرها بوصفها ضعفًا؛ فالأردن، كما قدّمه الملك، لا يتخلى عن السلام ولا عن الحوار، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يصبح تمسّكه بالدبلوماسية مبررًا للصمت عندما تمسّ التطورات مصالحه الوطنية المباشرة. وهذه معادلة تحتاجها المنطقة في زمن يتزايد فيه الميل إلى وضع الدول أمام خيارين زائفين: إما الصمت باسم الواقعية، أو التصعيد باسم الكرامة.أما بلاغة الخطاب، فلم تكن في الزخرفة، بل في بناء حجته؛ إذ بدأ من فكرة "الانتباه" بوصفه موردًا عالميًا نادرًا، ثم انتقل إلى الأزمات التي يعتاد العالم رؤيتها حتى يفقد الإحساس بخطورتها، ومنها إلى فلسطين، حيث يتحول المؤقت إلى دائم؛ لأن المجتمع الدولي يعتاد المشهد. ومن هذه الفكرة البسيطة، بنى استنتاجه الأهم: ما نهمله اليوم يصنع واقع الغد.وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، لهذه العبارة وزنٌ يتجاوز البلاغة؛ فالخرائط لا تنتظر الاجتماعات الدولية، والمستوطنات لا تتوقف إلى أن تنتهي المفاوضات، والناس الذين يُهجَّرون من أراضيهم لا يستطيعون الانتظار حتى يجد النظام الدولي اللغة المناسبة لوصف ما حدث لهم.قد يختلف الناس حول قدرة خطابٍ في الأمم المتحدة على تغيير الوقائع. والخطب، مهما بلغت قوتها، لا توقف مستوطنةً، ولا تفتح معبرًا، ولا تعيد منزلًا هُدِّم، لكن للكلمة السياسية وظيفة أخرى لا تقل أهمية: منع تحويل الواقع غير المقبول إلى واقع طبيعي بسبب الاعتياد عليه. ومن هذه الزاوية، فإن القيمة السياسية لخطاب الملك عبد الله الثاني تكمن في أنه رفض الاعتياد، بل شدد على ضرورة الانتقال من الرؤية إلى الفعل.رفض أن تصبح غزة مأساةً قديمةً لأن الحرب طالت، ورفض أن يصبح الاستيطان خبرًا روتينيًا لأن العالم سمع عنه آلاف المرات، ورفض الفصل بين فلسطين والأمن الإقليمي، وبين الضفة وغزة، والأهم أنه رفض اللغة الرمادية في لحظة تحتاج إلى تعريف واضح لما يحدث قبل التفكير في كيفية تغييره.فبعد كل هذه العقود من الحديث عن "عملية السلام" و"إدارة الصراع" و"خفض التصعيد"، قد يكون أهم ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم أبسط من ذلك وأصعب في الوقت نفسه: أن يُقال بوضوح ما الذي يجري على الأرض، ومن يفعل ماذا، وما الذي سيحدث إذا استمر العالم في النظر بعيدًا. وهذا ما فعله خطاب الأردن في الأمم المتحدة، وعليه لم يعد السؤال، كما طرحه الملك أمام العالم، هو ما إذا كان الجميع يرى ما يحدث، بل أصبح السؤال: بعد أن بات ما يحدث واضحًا، ماذا سيفعلون حياله؟

حين سمّى الملك الأشياء بمسمياتها

الدكتور أسعد العويوي أكاديمي وباحث سياسي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)