f 𝕏 W
ثلاث سنوات من الحرب.. حين يتحول النزوح في غزة إلى حياة معلّقة

جريدة القدس

سياسة منذ 31 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

ثلاث سنوات من الحرب.. حين يتحول النزوح في غزة إلى حياة معلّقة

الخميس 24 سبتمبر 2026 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس

مع اقتراب الذكرى الثالثة لبدء حرب الإبادة على غزة، تتعمق أزمة النزوح، لا بوصفها نتيجة مؤقتة للحرب، بل باعتبارها نمط حياة يهدد بتحويل الاستثناء إلى واقع دائم. وبينما ينصرف اهتمام المجتمع الدولي إلى أزمات أخرى، تتراجع فرص التعافي وإعادة الإعمار، في ظل غياب الاستقرار والأمن، ونقص التمويل، واستمرار القيود على المعابر وتدفق مواد الإغاثة والإعمار والإنتاج. وتكشف الأرقام حجم الكارثة. فقد دُمرت أو تضررت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وانكمش الاقتصاد بنسبة 84%، فيما تراجعت التنمية البشرية في القطاع بما يعادل 77 عاما، وفق معطيات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي. لكن هذه الأرقام، على قسوتها، لا تكشف وحدها عمق التحول الذي أصاب حياة الغزيين.فالنزوح الممتد لا يعني فقدان المنزل فحسب، بل تفكك البيئة الاجتماعية التي كانت تنظم الحياة اليومية، من الحي والمدرسة والسوق إلى العمل وشبكات الجيرة والعلاقات الأسرية. وفي صيف 2026، توزع نحو 1.7 مليون شخص على قرابة 1,600 موقع نزوح، ظل أكثر من 65% منها من دون دعم مباشر ومنتظم لإدارة المواقع والاستعداد للشتاء. وأصبحت الخيمة بديلا هشا عن البيت، وموقع النزوح بديلا عن الحي، والمطبخ المجتمعي بديلا عن جزء من اقتصاد الأسرة.يتفاقم هذا الوضع داخل اقتصاد مشوه لا يستعيد قدرته على العمل والإنتاج. فدخول البضائع لا يعني عودة السوق إلى طبيعتها، والمساعدات لا تعوض انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. ومنذ إغلاق معبر زيكيم، أصبح معبر كرم أبو سالم المنفذ التشغيلي الوحيد للبضائع، بينما ظل التضخم عند مستويات تفوق ما كان قبل الحرب بنحو 200%. وفي الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، لم تحصل سوى 51% من الأسر على طرد غذائي وكيس طحين يغطيان نحو نصف الحد الأدنى من احتياجاتها الحرارية.وتظهر آثار هذا الاقتصاد القسري في تفاصيل الحياة اليومية. فأزمة غاز الطهي مستمرة؛ حيث تحصل الأسرة على أسطوانة سعة 8 كلغم كل 90 يوما تقريبا بسعر 75 شيكلا للأسطوانة، بينما تبتلع السوق السوداء حوالي ثلث الكمية التي تسمح "إسرائيل" بدخولها، وتباع الأسطوانة بحوالي 700 شيكل. هذا إلى جانب المشكلة البنيوية المتعلقة بالحصول على المياه النظيفة؛ حيث يستنزف وقت الأسر وطاقتها، فيما يحاول الأطفال مواصلة التعلم في 359 فضاء تعليميا مؤقتا تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط البيئة التعليمية الآمنة. وفي ظل نقص الوقود، تتعطل مولدات الكهرباء ومحطات التحلية وخدمات النقل والصرف الصحي، فتتسع دائرة الحرمان وتتراجع قدرة الناس على تدبير شؤونهم الأساسية.ولا تقف آثار الحرب عند تدمير المساكن والبنية التحتية، بل تمتد إلى السلم المجتمعي. فقد عالجت جهات الإصلاح المحلية 1,440 قضية خلال أغسطس الماضي وحده، بينما تحولت بعض الخلافات العائلية والنزاعات على الموارد إلى مواجهات مسلحة. ويكشف ذلك عن ضغط متزايد على العلاقات الاجتماعية والثقة المتبادلة، في بيئة يسودها الاكتظاظ والفقر وشح الموارد وتراجع الحماية المؤسسية.وفي المقابل، تظل المسافة واسعة بين الخطاب الدولي والواقع المعيشي في غزة. فبينما تُطرح خطط لإنهاء الحرب وإطلاق مرحلة انتقالية وإعادة الإعمار، يستمر التعثر السياسي والميداني، في وقت تظل فيه أجزاء واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ويواجه السكان خطر إطالة النزوح وتعميق تبعيتهم للمساعدات.لقد تجاوزت الأزمة حدود الإغاثة الطارئة. فالمشكلة لا تكمن في بقاء الناس على قيد الحياة فقط، بل في خطر تحول البقاء إلى حالة دائمة، والنزوح إلى جغرافيا مستقرة، والحرمان إلى نمط حياة مألوف. حين تُدمّر الحرب شروط السكن والعمل والتعليم والتنظيم الاجتماعي، فإنها تستهدف قدرة المجتمع على استعادة حياته وإعادة بناء مستقبله فوق أرضه.بعد ثلاث سنوات، تظل غزة أمام معركة تتجاوز وقف القصف وتوفير المساعدات. إنها معركة الحفاظ على إمكانية الحياة الطبيعية، وعلى حق النازحين في العودة، وعلى بقاء المجتمع متماسكا وقادرا على التعافي. فكلما طال الانتظار، ازدادت مخاطر أن تصبح الحياة المؤقتة واقعا دائما، وأن يتحول النزوح من مرحلة فرضتها الحرب إلى مصير يُعاد إنتاجه كل يوم.

ثلاث سنوات من الحرب.. حين يتحول النزوح في غزة إلى حياة معلّقة

الدكتور أسعد العويوي أكاديمي وباحث سياسي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)