الخميس 24 سبتمبر 2026 8:32 صباحًا - بتوقيت القدس
لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرض لمواقف إدارته، بل عكس رؤية للعالم تقوم على أولوية القوة المتوحشة والمصلحة القومية لرأس المال الأميركي ، وعلى التعامل الانتقائي مع القانون والمؤسسات الدولية عندما تتعارض مع خيارات الدولة التي تعتبر نفسها الأقوى . فالتهديد باستخدام القوة، والهجوم على المحكمة الجنائية الدولية ، وازدواجية المعايير تجاه القرارات الأممية والمنظمات الدولية ، تعكس اتجاهاً تصبح فيه القوة أداة لصناعة الشرعية ، بدلاً من أن يكون القانون قيداً عليها .وفي الاتجاه المقابل ، كشفت كلمات عدد من القادة عن قلق متزايد من تغليب القوة والهيمنة . فقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العودة إلى «قانون الغاب» ، ورفض الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا منطق الهيمنة وجرائم الأحتلال والتدخل في شؤون الدول المستقلة ، فيما حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من «ذهنية إبادة جماعية» في التعامل الإسرائيلي مع شعبنا . ولخّص الملك الأردني عبد اللّه الثاني جانباً من المعضلة بقوله إن المجتمع الدولي اختار طوال عقود إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدلاً من حله .أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فوضع المسألة في جوهرها حين أكد أن السلام الدولي يعني تقييد القوة بالقانون ، محذراً من أن العنف والتهجير والتوسع الإستيطاني الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية المحتلة يهدم طريق السلام ويثير شبح التطهير العرقي .نحن إذن أمام مشهد يتجاوز فلسطين إلى صراع أوسع بين شرعية القوة وقوة الشرعية ، فيما تبقى فلسطين أحد أكثر الإختبارات وضوحاً لمصداقية النظام الدولي الذي سُخر طيلة عقود ماضية لخدمة رؤية الإستعمار في ظل نظام أحادي القطب منذ إنهيار القطب الآخر .وفي هذا المشهد تتجه الأنظار إلى كلمة الأخ الرئيس محمود عباس عبر الفيديو ، بعد منعه التعسفي والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك . وهنا تبدو الحاجة إلى خطاب يحمل موقفاً ومبادرة يمكن أختصار جوهرهما بكلمتين : «كُن نِدّاً» .والندية هنا تعني ، أن نتحدث باعتبارنا أصحاب قضية وحقوق غير قابلة للتصرف ، لا طالبي مِنّةٍ من أحد ، وأن نَرفض أن تُمرر جرائم الإبادة الجماعية مرور الكرام دون عقاب ، وأن يصبح مستقبل غزة أو شكل نظامنا السياسي موضوعاً تقرره ترتيبات من خارجنا ، وأن نؤكد وحدة الضفة وغزة والقدس ، ووحدة الأرض والشعب والولاية الوطنية والتمثيل الفلسطيني .لكن «كُن نِدّاً» تعني أيضاً امتلاك شجاعة المراجعة ، فلا يكفي أن نقول للعالم ماذا فعل الأحتلال بنا منذ الأقتلاع الكبير ، وماذا أخفق أو أمتنع المجتمع الدولي في فعله ، من دون أن نسأل أنفسنا ، أين أخطأنا ؟ وأي الخيارات والأدوات استنفدت قدرتها على إنتاج نتائج مختلفة ؟فبعد ثلاثة وثلاثين عاماً على «أوسلو» ، لم يعد ممكناً التعامل مع مرحلة بدأت انتقالاً مؤقتاً نحو إنهاء الأحتلال كما لو أن شروطها ما زالت قائمة . فالإستيطان تمدد ، والقدس جرى عزلها تماما ، والضفة تتعرض للتفتيت ، والسيادة الفلسطينية بقيت مؤجلة ، ومبدأ حل الدولتين أصبح غير ممكن بفرض وقائع المشروع الإستعماري على الأرض ، فيما ظل الأحتلال صاحب السيطرة الفعلية على الحدود والموارد والأرض وما في باطنها من مياه وغاز ، والأسرى تزداد أعدادهم مع التهديد بالأعدام ، والمراجعة هنا ليست محاكمة للماضي ، بل شرطاً لتصحيح المسار عندما تتغير شروط الصراع .و«كُن نِدّاً» تعني أيضاً ألا تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة انتظاراً لما تقرره واشنطن ، ولا يعني ذلك القطيعة معها ، بل بناء العلاقة على المصالح وفرض إحترام الحقوق ، وتوسيع خياراتنا الدولية ، خاصة مع ما تتيحه التحولات الدولية ومواقف دول «البريكس» والجنوب العالمي وعدد من الدول الأوروبية ، خاصة ما اتاحه بيان نيودلهي الذي وسع التضامن مع شعبنا ، ومن فرص لبناء نظام دولي جديد وتوازن أوسع لصالح قضية شعبنا التحررية ، كما وعدم حصر مستقبل قضيتنا في بوابة سياسية واحدة تتحالف استراتيجياً مع دولة الأحتلال .كما تعني «كُن نداً» الأنتقال من مطالبة العالم بتنفيذ قراراته فقط ، إلى استخدام ما تتيحه الشرعية الدولية سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً وشعبياً ، وتحويل الإعتراف المتزايد بدولة فلسطين من مسألة رمزية إلى أدوات عملية لحماية الأرض والشعب ومواجهة الضم والإستيطان والتهجير والتهويد .وفي هذا السياق ، لا بد أن يتوقف خطاب الأخ الرئيس عند دلالات قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ ، الذي يفتح ، في قراءتنا ، الباب أمام ترتيبات وصاية على غزة قد تتحول إلى مشروع لإدارة السكان بدلاً من إنهاء الأحتلال . فغزة ليست فراغاً سياسياً ولا أرضاً مباحة لإدارة خارجية ، بل جزء أصيل من دولة فلسطين ووحدة أرضها وولايتها الوطنية ، مع بقاء منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كحامل للمشروع التحرري بما تحتاجه من إستنهاض ، وصاحبة الصفة السياسية والقانونية في الاتفاقيات والعلاقات الدولية ومرجعية لمؤسسات دولة فلسطين .لكن الندية مع الخارج تبدأ من الداخل ، فلا قرار وطني مستقل من دون شرعية وطنية متجددة ومنتخبة . ولهذا فإن إجراء الإنتخابات في موعدها المقرر ، وإنهاء الأنقسام ، وتطوير منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة وتجديد مؤسساتها وإشاعة الديمقراطية وتعزيز مبادئ فصل السلطات والعدالة ، وإعادة الشعب إلى موقعه باعتباره مصدر السلطات ، وتوحيد الخطاب ، ليست ملفات داخلية منفصلة عن المواجهة ، بل مصادر أساسية للقوة فيها أمام العالم .وحتى ظهور الأخ الرئيس عبر الشاشة يمكن قلب معناه ، لقد مُنع من الوصول إلى نيويورك ، لكن فلسطين لم تُمنع من الحضور . ومع ذلك ، تستحق الذاكرة إستعادة عام ١٩٨٨ ، حين مَنعت الولايات المتحدة الرئيس الشهيد ياسر عرفات من دخول نيويورك ، فلم يُنقل حضوره إلى شاشة ، بل انتقلت الجمعية العامة إلى جنيف ليستمع العالم إليه من على منبر الأمم المتحدة ، وكانت تلك ممارسة لقوة الشرعية في مواجهة منطق القوة.فالندية لا تعني توهّم تساوي موازين القوة ، بل ألا نسمح لاختلالها بأن يسلبنا إستقلال القرار والكرامة وحق المبادرة والقدرة على مراجعة خياراتنا ، وأن نُحسن إستثمار حركة التضامن الدولي المتسعة حتى في نيويورك ، وتغير الرأي العام العالمي ، والعزلة السياسية والأخلاقية المتنامية لإسرائيل ، وتحويلها إلى رصيد سياسي وقانوني ودبلوماسي فلسطيني .وهذه هي الرسالة التي نحتاج أن تصل من فلسطين إلى نيويورك ، بأننا لسنا موضوعاً في مشاريع الآخرين ، ولا أسرى خيارات الماضي ، نحن شعب يملك حقه وإرادته والقدرة على صناعة مستقبله ، «فكُن نِدّاً» أيها الأخ الرئيس .* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .
من نيويورك.. «كُن نِدّاً» بين شرعية القوة وقوة الشرعية
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)