كشفت مصادر مطلعة عن كواليس أزمة دبلوماسية صامتة داخل أروقة الإدارة الأمريكية، حيث أعد مسؤولون في القدس وواشنطن مسودة بيان شديد اللهجة لم يرَ النور. وكان من المفترض أن يصدر البيان باسم وزير الخارجية ماركو روبيو، للتنديد بقرارات اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا تقضي بحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.
واعتبرت المسودة المسربة أن توجهات الدول الحليفة لواشنطن تمثل سلسلة من الإجراءات العدائية ضد إسرائيل، وذهبت إلى أبعد من ذلك بوصفها محفزة لمعاداة السامية. وأشارت الوثيقة التي تعود لتاريخ الثامن من سبتمبر الجاري إلى أن هذه الخطوات تتماشى مع استراتيجيات حركة المقاطعة الدولية (BDS) التي تعارضها واشنطن رسمياً.
وأفادت مصادر بأن المبادرة خلف هذا البيان جاءت من ديفيد ميلستين، وهو مساعد بارز للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والمعروف بمواقفه المتشددة الداعمة للاستيطان. ويعكس هذا التحرك محاولة من الجناح الأكثر يميناً في الدبلوماسية الأمريكية لفرض إيقاع متشدد تجاه أي ضغوط دولية تمارس على المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية.
ورغم نبرة البيان التصعيدية، إلا أنه واجه معارضة حاسمة من قبل البيت الأبيض وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية الذين رفضوا المصادقة عليه. ونتيجة لهذا الانقسام، اضطر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى تغيير لهجته تماماً خلال تصريحات صحفية أدلى بها في فلوريدا، مكتفياً بالقول إن بلاده لن تحذو حذو المملكة المتحدة دون توجيه أي انتقاد مباشر.
تظهر هذه الواقعة اتساع الفجوة الأيديولوجية بين البيت الأبيض وفريق الدبلوماسيين الذين عينهم ترامب في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بآلية التعامل مع توسيع المستوطنات. فبينما يتبنى السفير هاكابي خطاباً توراتياً يشرعن الاستيطان، يبدو أن مؤسسة الرئاسة تحاول الحفاظ على توازن دقيق يمنع صداماً مفتوحاً مع الحلفاء الأوروبيين.
ولا يقتصر الانقسام على الدوائر الرسمية، بل يمتد ليشمل القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تحول تدريجي في مواقف الشباب المحافظين. وبات الجيل الجديد من الجمهوريين يتبنى رؤى أكثر نقدية تجاه السياسات الإسرائيلية مقارنة بالأجيال الأكبر سناً التي لا تزال تقدم دعماً غير مشروط لتل أبيب.
التعليقات (0)