استغرق العثور على أوقية واحدة، تزن 250 غراما، من الزعتر البري في أسواق قطاع غزة ساعات من البحث، وبلغ ثمنها 25 شيكلًا (نحو 8.3 دولارات)، مقارنة بـ 7 شواكل (نحو 2.3 دولار) قبل حرب الإبادة على قطاع غزة؛ أي إن سعر الكمية نفسها ارتفع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف ونصف.
ومن هذه الأوقية بدأت رحلة أخرى لتوفير مكونات أطباق كان الزعتر الفلسطيني قاسمها المشترك، وسرعان ما تحولت محاولة إعداد طعام يوم كامل، بمناسبة اليوم العالمي للزعتر، إلى اختبار ميداني يكشف كيف أفرغت حرب الإبادة الإسرائيلية الحقول والأسواق، وأعادت صياغة وصفات توارثتها موائد الغزيين عبر أجيال.
فالنبتة التي كانت تُزرع في الحقول والحدائق المنزلية، وتوفر دخلا لعشرات الأسر، بات العثور عليها طازجة أمرا نادرا بعد تجريف مساحات واسعة من الأراضي وتدمير المشاتل وتعذر وصول المزارعين إلى حقولهم.
داخل مطبخ "سمايل كيتشن"، شرع الشيف نبيل الشوّاف 65 عاما، في إعداد أطباق الزعتر وفق وصفاتها الأصلية، ومنذ خطوات التحضير الأولى، حضرت آثار الحرب في كل مكوّن؛ غاب الزعتر البلدي الطازج، وشحّ السماق البلدي، وارتفع ثمن زيت الزيتون، ففرضت البدائل نكهتها على الوصفات، فيما أعاق انقطاع الكهرباء الطهي ونفد الغاز قبل اكتمال الخَبز.
وبين طبق أُنجز وآخر تعذر إتمامه، توثق التجربة المسافة التي صنعتها الحرب بين الزعتر بوصفه ذاكرة للمائدة الفلسطينية، والزعتر بوصفه طعاما وحيدا لازم الغزيين في أيام الجوع والنزوح.
بدأ الشواف إعداد المائدة بـ "المسفّن" الفلسطيني، جامعا في عجينته الزعتر وزيت الزيتون وحبة البركة، ثم انتقل إلى المناقيش والمطبّق والسلطات، وأدخل الزعتر في صلصة أعدّها من الحليب والطحين والزبدة، لترافق وجبات اللحوم والأرز، في محاولة لتوسيع حضوره من خلطة صباحية مألوفة إلى نكهة تعبر وجبات اليوم.
التعليقات (0)