إعلامي وكاتب سياسي تونسي.
في ساحة محمد علي بقلب العاصمة تونس، على مقربة من سفارة فرنسا، يبدو مقر الاتحاد العام التونسي للشغل (أعرق منظمة نقابية في البلاد)، بلا حراك، ولا فاعلية، تلفه الكآبة، وتهيمن عليه مسحة حزينة، كما لو أنه يقيم جنازة بلا مودعين أو مشيعين.
لوحة تصويرية، لا مبالغة فيها، قياسا بوضعه قبل خمس سنوات، عندما كانت الساحة الأمامية لمقر المنظمة، المعروفة باسم "البطحاء"، كما يطلق عليها النقابيون والسياسيون، بمثابة خلية نحل لا تتوقف، محتضنة احتجاجات النقابيين والعمال؛ دفاعا عن مصالحهم وطبقتهم الاجتماعية.
منذ أكثر من عام، سُجلت آخر إطلالة للأمين العام السابق، نور الدين الطبوبي من شرفة مكتبه، ليلقي خطابا أمام عدد من النقابيين من أنصاره، صُنف على أنه الأخير في عمر الرجل على رأس المنظمة، التي غادرها لاحقا، دون أن يترك أي أثر في سرديتها التي فقدت بريقها منذ انقلاب 25 يوليو/تموز 2021، الذي قاده الرئيس قيس سعيد.
يومها، خرج الطبوبي، مبتسما ومستبشرا بالانقلاب، ووقف في شرفة غرفته ذاتها، مدافعا عنه، بل أطلق عليه صفة "التصحيح" لمسار الثورة التونسية، ظنا منه أن الأمور ستسير "سمنا على عسل"، بينه وبين الانقلاب، وأن موقفه ذاك، سيرشح منظمته للعب دور سياسي جديد، بلا انتقال ديمقراطي، ومن دون إسلاميين، وبلا برلمان صاخب، وعلى أنقاض دستور، ساهم الاتحاد في صياغة جزء من مضمونه (دستور عام 2014)، في سياق عملية توافقية غير مسبوقة في التاريخ السياسي الحديث لتونس والمنطقة العربية.
وعندما شرع الرئيس التونسي، في تمشيط المشهد من الأحزاب والمنظمات والسياسيين والإعلاميين والمدونين، بالاعتقالات والسجون، ضمن ما يعرف بـ"قضية التآمر على أمن الدولة"، كانت قيادة اتحاد الشغل، تقدم دعمها النقابي والسياسي للرئاسة التونسية، دون أن تفكر لحظة، في أنها يمكن أن تكون بدورها، "قطعة لحم شهية" في توقيت ما، من الزمن السياسي التونسي المعقد.
التعليقات (0)