تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة (23 إلى 25 سبتمبر الجاري) في لحظة تتجاوز فيها العلاقة بين واشنطن وبكين حدود الخلاف التجاري التقليدي؛ فالتعريفات الجمركية والزراعة والاستثمارات لم تعد سوى جزء من منافسة أوسع تشمل التكنولوجيا والمعادن الحرجة والطاقة وسلاسل الإمداد وتايوان وأفريقيا وممرات التجارة العالمية، وصولا إلى الدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
وفي دراسة بعنوان «الرئيس الصيني في واشنطن: تنافس اقتصادي في ظل غياب ثقة إستراتيجي»، الصادرة مركز الجزيرة للدراسات، يحلل الاقتصادي والأكاديمي الأردني إبراهيم سيف الملفات التي تحيط بالقمة المرتقبة، وينطلق من مفارقة تحكم العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم: تشابك اقتصادي يجعل الانفصال الكامل بينهما بالغ الكلفة، يقابله انعدام للثقة الاستراتيجية يجعل الوصول إلى شراكة حقيقية أمرا بعيد المنال.
ويصف سيف هذه العلاقة بأنها حالة من «الاعتمادية المتبادلة التنافسية»؛ فالولايات المتحدة والصين تمثلان معا أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وترتبط أسواقهما واستثماراتهما وسلاسل إمدادهما بدرجة كبيرة، لكن هذا الاعتماد المتبادل يجري بالتوازي مع تنافس على القوة والنفوذ وموقع كل منهما في النظام الدولي.
وترى الدراسة أن هذا التنافس اكتسب بعدا إضافيا مع إدارة ترمب الثانية، التي تبنت منذ عودتها إلى السلطة، مطلع 2025، مقاربة تقوم على «التعاملات» بدلا من الالتزامات التقليدية التي حكمت السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. وتربط الدراسة ذلك بانسحاب واشنطن من عشرات المنظمات الدولية واتفاقية باريس للمناخ، وبالاعتماد المتزايد على النفوذ الاقتصادي والعقوبات والتعريفات الجمركية، في تحول تعتبره مسارا نحو تفكيك تدريجي لبعض قواعد النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
لا تبدأ قمة واشنطن من الصفر؛ إذ تضعها الدراسة ضمن مسار تفاوضي بدأ يتشكل منذ نهاية 2025. فقد أنتج لقاء بوسان في كوريا الجنوبية هدنة تجارية خفضت حدة التعريفات الجمركية، مقابل زيادة الصين مشترياتها من المنتجات الزراعية الأمريكية وتخفيف واشنطن بعض قيود التصدير.
ثم جاء لقاء بكين في مايو/أيار 2026، وصولا إلى زيارة شي الحالية لواشنطن، وهي الأولى لرئيس الصين إلى العاصمة الأمريكية منذ أحد عشر عاما. لكن المسار التفاوضي كله يكشف أن الخلاف أصبح أكبر من مسألة الرسوم الجمركية.
التعليقات (0)