لم يعد الصراع على الرواية في القضية الفلسطينية مجرد معركة بين رواية فلسطينية وأخرى إسرائيلية، ولكن أصبح صراعاً على قدرة كل رواية على الصمود أمام الوثيقة والشهادة والصورة، وعلى قدرتها في إقناع العالم بأن ما تقوله ينسجم مع الوقائع لا مع الدعاية السياسية.
من هنا تكتسب قضية الفيلم الوثائقي NAZA دلالتها السياسية والثقافية، ليس فقط بسبب موضوعه المتصل بالحرب على غزة، وإنما لأن جزءاً من شهاداته يأتي من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، ومن أشخاص ارتبطوا بالمنظومة العسكرية والاستخبارية. والأكثر دلالة أن مخرجي الفيلم إسرائيليان، ما يجعل العمل أكثر إحراجاً للرواية الرسمية التي طالما حاولت تقديم المجتمع الإسرائيلي باعتباره كتلة واحدة خلف الجيش، وتصوير كل نقد داخلي بوصفه هامشياً أو معادياً للدولة.
المسألة هنا ليست فيلما فحسب؛ إنها أزمة رواية.
فالرواية الإسرائيلية التقليدية بنت جزءاً مهما من قوتها الدولية على مجموعة من المرتكزات: دولة ديمقراطية، جيش أخلاقي، حرب مفروضة عليها، وحرص دائم على حماية المدنيين. ومع استمرار الحرب على غزة، وتراكم الصور والشهادات والتقارير الدولية، أصبحت هذه المرتكزات موضع اختبار متزايد، لا سيما عندما تبدأ الأصوات التي تشكك فيها بالخروج من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية NAZA؛ فحين يأتي النقد من الخارج، تستطيع المؤسسة الرسمية أن تضعه في إطار (التحيز) أو (العداء لإسرائيل)؛ أما عندما يأتي النقد من إسرائيليين، ومن سينمائيين سبق أن خاضوا التجربة نفسها في فيلم (لا أرض أخرى)، وعندما تتحدث شهادات الفيلم عن آليات الاستهداف وصناعة القرار العسكري، فإن محاولة إسكات الرواية تصبح أصعب من مجرد نفي مضمونها. ولذلك فإن رد الفعل الرسمي الإسرائيلي يستحق التوقف عنده.
عندما يصل النقاش إلى التهديد بسحب الجنسية، وتتقدم مفردات مثل "الخيانة" و"الإضرار بالدولة" على النقاش الموضوعي لمضمون العمل، فإن السؤال لا يعود: هل الفيلم دقيق في كل تفصيل؟ بل يصبح السؤال الأوسع: لماذا يتحول كشف الرواية المضادة من قضية فنية أو إعلامية إلى قضية ولاء وخيانة؟
التعليقات (0)