حين يتحدث الموت في غزة ، فإنه لا ينطق بلغة العابرين، بل يرتدي رداء الأب الأبيض الملطخ بالدماء، وينطق بصوت السماعة الطبية المحروقة، فبين أروقة غرف العمليات التي تحولت إلى ركام تحت آلة الإبادة، لم يعد القطاع الصحي مجرد مرفق خدمي تقليدي يصارع من أجل البقاء، بل أصبح الشاهد الأكبر والضحية الأكثر قسوة في حرب ممنهجة استهدفت شريان الحياة الأخير للإنسان الفلسطيني، وفي مشهد تاريخي غير مسبوق من التوحش، سقطت هيبة اتفاقيات جنيف الرابعة وكل المواثيق الدولية، ولا سيما المواد الخاصة بحماية المستشفيات والكوادر الطبية، أمام صمت عالمي مخزٍ وتقاعس أممي مدوٍ، حيث سعى الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى يومنا هذا إلى كسر إرادة البقاء عبر تدمير المنظومة الصحية بكامل بنيتها ومواردها البشرية. وتكشف لغة الأرقام اليوم عن فادحة الخسائر التي لحقت بالجسد الطبي والإنساني؛ فقد ارتقى أكثر من 1,411 شهيداً من الأطباء، والممرضين، والصيادلة، وفنيي المختبرات، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومسعفي الطوارئ، والعاملين الإداريين أثناء تأدية واجبهم، فضلاً عن إصابة آلاف الكوادر بجراح وإعاقات مستدامة. وعلى صعيد البنية التحتية، تشير التقارير الأممية والدولية إلى أن أكثر من 94% من المستشفيات تعرضت لأضرار جسيمة أو دمار كامل؛ إذ خرجت أكثر من 22 مستشفى رئيسياً من أصل 36 عن الخدمة تماماً، بينما تعمل البقية بإمكانات محدودة وبطاقة حرجة ومدمرة جزئياً، إضافة إلى تدمير وإغلاق أكثر من 80 مركزاً للرعاية الأولية. ولا يتوقف النزيف عند حدود الجراح المباشرة وقصف المؤسسات، بل يمتد ليشمل حرباً صامتة تقودها الأوبئة والأمراض المعدية التي تفشت جراء انعدام المياه النظيفة، وتكدس النفايات، وطفح مياه الصرف الصحي، وانتشار القوارض والحشرات، وفي ذات الوقت، يلاحق الموت البطيء آلاف المواليد والفئات الخاصة وذوي الأمراض المزمنة، وعلى رأسهم مرضى الفشل الكلوي الذين يجبرون على تقليص جلسات الغسيل إلى نصف أو ربع مدتها، ومرضى السرطان المحرومين تماماً من العلاج الكيميائي والإشعاعي، إلى جانب الخدج ومرضى العناية المركزة المهددين بالموت الفوري جراء أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء والحصار الدوائي الخانق، ولم تقتصر الحرب على التدمير المادي، بل امتدت لتشمل استهدافاً بشرياً مباشراً تمثل في اعتقال المئات من الكوادر الطبية، وفي مقدمتهم مدراء مستشفيات رئيسية في ظروف قهرية ومعتقلات التعذيب الممنهج، في انتهاك صارخ للحصانة التي تكفلها قواعد القانون الدولي الإنساني. ورغم قسوة المشهد، ورغم جراحهم المفتوحة وفقدانهم للمأوى والأحباء، فإن أبطال القطاع الصحي لم يتراجعوا خطوة واحدة للخلف، بل ظلوا في مقدمة صفوف العمل يسطرون أروع ملاحم العطاء والتضحية الإنسانية لبلسمة جراح أبناء شعبنا، في رسالة صمود ناطقة بأن الإرادة الفلسطينية أقوى من الموت وأبقى من آلة الحرب، نؤكد أن عودة الحياة للقطاع الصحي ليست ترفاً سياسياً، بل هي استحقاق إنساني لا يقبل المساومة، وتستوجب استجابة فورية عبر فتح جميع المعابر لدخول المستشفيات الميدانية والأجهزة التشخيصية الحديثة، وتأمين مصادر طاقة مستدامة وإمدادات الوقود الدائمة لتشغيل المرافق، ودعم وحماية الكوادر البشرية مادياً وأمنياً وصرف مستحقاتهم وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية لهم، إلى جانب إطلاق خطة إعمار عاجلة وإنشاء ممر طبي آمن للخارج لضمان سفر آلاف الجرحى والمرضى ذوي الحالات الحرجة. وعلى المنظومة الدولية، وخاصة منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، إعلان غزة منطقة منكوبة صحياً بشكل رسمي، والعمل وفق ذلك، ومراقبة وحماية الكوادر الصحية، وتقديم الرعاية والتدخلات المطلوبة لتعزيز ثباتهم، وتفعيل آليات المحاسبة الدولية وملاحقة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية على جرائمهم الممنهجة بحق الطواقم والمشافي، وإلزام الاحتلال باحترام الشارات الدولية للهلال والصليب الأحمر استناداً إلى اتفاقيات جنيف والمادتين 18 و19 منها. وختاماً، إن واقع المنظومة الصحية الفلسطينية اليوم يفرض علينا تجاوز لغة التنديد والشجب إلى أفق العمل الجاد والتحرك الفاعل؛ دولياً، ونقابياً، ودبلوماسياً، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق كل المؤسسات الدولية للتدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير الإمكانات اللازمة لتمكين القطاع الصحي من أداء واجبه الإنساني المقدس تجاه المدنيين والمكلومين من مرضى ومصابين وفئات هشة. فالكوادر الطبية ليسوا مجرد مقدمي خدمة، بل هم عنوان الكرامة الإنسانية وحراساً لركيزة الصمود الفلسطيني الباقية، وحتماً، فإن نبض الحياة في غزة سينتصر على العتمة، وستنهض هذه المنظومة العريقة من ركامها أقوى وأصلب في طريق التعافي التام، بإذن الله.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
التعليقات (0)