تكشف استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة عن صورة أكثر تعقيداً مما توحي به المنافسة بين غادي آيزنكوت و بنيامين نتنياهو . صحيح أن حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت يتصدر معظم الاستطلاعات، لكن الفارق مع الليكود محدود، وبعض الاستطلاعات أعادت الليكود إلى المركز الأول. والأهم أن صورة الكتل لا تزال غير محسومة؛ فقد أظهرت استطلاعات حديثة تعادلاً بين المعسكرين، فيما أظهر بعضها أفضلية محدودة لأحدهما.
لكن الأهم من أرقام المقاعد هو ما تكشفه هذه الصورة عن أزمة داخل معسكر التغيير نفسه. فالمعسكر الذي تشكل أساساً حول هدف تغيير نتنياهو لم يحسم بصورة نهائية مسألة القيادة، ولا طبيعة العلاقة بين مكوناته، ولا حدود المشروع السياسي الذي سيقدمه للناخب الإسرائيلي.
يبدو آيزنكوت اليوم في موقع القيادة، لكن تقدمه الانتخابي لم يؤدِ إلى توحيد المعسكر بقدر ما عزز التنافس داخله، خصوصًا مع نفتالي بينيت. فكل منهما يمتلك قاعدة انتخابية ومشروعاً مختلفاً، وكل طرف يسعى إلى جذب جزء من القاعدة الانتخابية للطرف الآخر، وإثبات أنه الأقدر على تمثيل البديل لنتنياهو. والمشكلة أن هذا التنافس لا يجري فقط على المقاعد، وإنما على قيادة المعسكر نفسه.
في المقابل، لا ينتظر نتنياهو خصومه حتى يحسموا خلافاتهم. فهو لا يحتاج فقط إلى أن يتقدم الليكود على "يشار"، بل إلى الحفاظ على تماسك اليمين وإعادة تجميع أصواته حول الكتلة القادرة على تشكيل الحكومة. ولذلك ينبغي أن يتعامل معسكر التغيير مع التعادل في استطلاعات الكتل باعتباره إنذاراً حقيقياً، لا نتيجة مريحة. فالتجربة الانتخابية الإسرائيلية أظهرت في حالات سابقة أن اليمين قد يكون أقل تمثيلاً في بعض الاستطلاعات من حجمه عند التصويت الفعلي، كما يمتلك نتنياهو قدرة سياسية على إعادة تجميع ناخبيه في لحظة الحسم.
وبالتالي، فإن تقدم "يشار" بفارق محدود على الليكود لا يضمن شيئاً، كما أن التعادل في استطلاعات الكتل قد يتحول إلى أفضلية لنتنياهو إذا نجح في الحفاظ على تماسك معسكره، أو استفاد من تشتت أصوات خصومه. وهذا يجعل الفارق بين الحزبين أقل أهمية من قدرة كل منهما على تحويل أصواته إلى كتلة سياسية قادرة على تشكيل الحكومة.
ولا تتوقف قدرة نتنياهو عند الحسابات الانتخابية. ففي الأسابيع الأخيرة، نجح مرة أخرى في التأثير في جدول الأعمال السياسي وإعادة النقاش إلى القضايا التي تخدمه، من الأمن والهوية إلى العرب واليسار. وهذا جزء من قدرته السياسية: دفع خصومه إلى خوض المعركة في الساحة التي يختارها هو، بدل أن يفرضوا هم القضايا التي يريدون أن تجري الانتخابات حولها.
التعليقات (0)