f 𝕏 W
هيئة الأمم واتفاق المقر والمنع الأمريكي: ما الحل؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 8 د قراءة
زيارة المصدر ←

هيئة الأمم واتفاق المقر والمنع الأمريكي: ما الحل؟

الأربعاء 23 سبتمبر 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

للسنة الثانية على التوالي، تُغلق واشنطن الباب في وجه الوفد الفلسطيني الرسمي المتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للمشاركة في اجتماعاتها السنوية. وللسنة الثانية، لا تكتفي الجمعية العامة بترتيب بديل يلتف على المنع، بل تصوّت صراحة على مطالبة الدولة المضيفة بالعدول عن قرارها. فهذه ليست مسألة تأشيرة عالقة في مكتب قنصلي، إنها سياسة معلنة بات لها سند إجرائي يتكرر عاماً بعد عام، بينما النص القانوني الذي يُفترض أن يحكم هذه العلاقة، وهو اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947، لا يتضمن أصلاً بنداً يبيح لدولة المقر إغلاق الباب بدافع سياسي.ينظم اتفاق المقر العلاقة مع الدولة المضيفة، ويُلزمها بموجب البند 11 (Section 11) بعدم وضع أي عائق أمام عبور الأشخاص المدعوين رسمياً إلى منطقة المقر لأداء عمل يخص الأمم المتحدة، بصرف النظر عن العلاقة القائمة بين حكوماتهم وحكومة الولايات المتحدة. وربما صيغت هذه العبارة عام 1947 لتمنع واشنطن تحديداً من استخدام تأشيرة الدخول أداة ابتزاز سياسي. وليس هذا فقط، بل إن البند 13-أ يزيد الالتزام وضوحاً بالنص الذي يفيد بأنه حين تكون التأشيرة مطلوبة أصلاً، تُمنح بلا رسوم وبأسرع ما يمكن. ولا يوجد "استثناء أمني عام" في النصوص المتفق عليها بين الطرفين. وبذلك، فإن واشنطن لا تخرق قانوناً غامضاً، وإنما تخرق نصاً واضحاً، ومن المرجح أنها تراهن على أن أحداً لن يحاسبها.الحجة الأمريكية الجاهزة تستند إلى أن الاتفاقية خاصة بالأعضاء، وفلسطين ليست عضواً كامل العضوية. وهي حجة مريحة، لكنها غير أمينة. ففلسطين ليست دولة عضواً بمعنى البند 11-1، لكنها ليست غائبة عن النص أيضاً، إذ يشملها البند 11-5، الخاص بأشخاص آخرين تدعوهم الأمم المتحدة لعمل رسمي، وهي الصفة التي مارستها منظمة التحرير كمراقب منذ قرار الجمعية العامة عام 1974، حين خاطبها الرئيس الراحل ياسر عرفات في تشرين الثاني من العام نفسه. ثم رفعتها الجمعية إلى مرتبة دولة غير عضو ذات صفة مراقب بقرارها في 29 تشرين الثاني 2012، بأغلبية 138 صوتاً. المشكلة إذن ليست في النص، بل في التطبيق الانتقائي له، وإلا كيف يشغل الكرسي الرسولي صفة مراقب مشابهة، دون أن يواجه حظراً جماعياً بهذا الحجم؟في آب 2025 أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو سحب وإلغاء تأشيرات الرئيس عباس وفريقه (أكثر من 80 شخصاً)، بذريعة "المصلحة الأمنية القومية" وعدم التزام السلطة بتعهداتها. وتم ذلك قبيل القمة الفرنسية-السعودية لحشد اعترافات دولية بدولة فلسطين. وها هي واشنطن تكرر عدوانها الدبلوماسي علينا للسنة الثانية، بذريعة جديدة هذه المرة، وهي ملاحقة السلطة لإسرائيل قضائياً أمام محكمتي العدل والجنايات الدوليتين، ودفع رواتب لعائلات أسرى مدانين بهجمات ضد إسرائيليين. وقد ورد في خطاب الوزارة العلني أنه استند في تمديد "عقوبات التأشيرة" إلى قانونين أمريكيين محليين، هما قانون امتثال منظمة التحرير لعام 1989 وقانون التزامات سلام الشرق الأوسط لعام 2002. وقد أشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، أن البند التي استند إليها روبيو في قانون الهجرة، ليس من المؤكد أنه ينطبق على الرئيس عباس شخصياً.بالعودة إلى نصوص اتفاقية المقر، فإنه لا يوجد فيها ما يسند الذرائع التي ساقتها أمريكا. ولكنها استندت إلى قرارات صادرة عن الكونغرس الأمريكي بعد التوقيع على الاتفاق، ولا تعتبر بأي حال من الأحوال تعديل في الاتفاقية. أما القوانين المختلفة التي تستند إليها في الرفض، بما فيها قانون الهجرة وما له علاقة بمحكمتي الجنايات والعدل الدوليتين، فهي تشريعات أمريكية داخلية بحتة، ليست ملزمة للأمم المتحدة وفقاً للاتفاقية، التي لا يوجد فيها أي استثناءات.والمفارقة المضحكة أن حجة أمريكا برفض منح التأشيرات تستند الى ادعاء عدم التزام الفلسطينيين بتعهدات أوسلو، تستخدم عملية السلام كذريعة لإبقاء طرف تلك العملية (نحن) خارج القاعة. ولذلك فإن ما تطرحه أمريكا ليس أكثر من استخدام سياسي لغطاء قانوني هش، وإن نجاح أمريكا المتكرر في منع فلسطين من المشاركة في الاجتماعات السنوية لا يعني أنه سليم، بل أن أحداً لم يدفع ثمن مخالفته بعد. وهذا الموقف الذي تتخذه أمريكا لا ينبع من قراءة قانونية مستقلة، بل يعكس ضغطاً إسرائيلياً مباشراً على واشنطن. فالنظام السياسي الأمريكي يتعامل مع الفلسطينيين بمنطق العداء لا الحياد، ويساهم عبر الفيتو المتكرر وتغطية السياسات الإسرائيلية في حجب المساءلة عن جرائم إسرائيل والمستوطنين بحق الشعب الفلسطيني بدل أن يطالب بها.إن ما يجري اليوم يختلف عن سابقة استهداف عرفات عام 1988 وحده بالاسم، حيث أن المستهدف اليوم هو الوفد بأكمله. علما بأن رفض منح التأشيرة للرئيس عرفات كان بذريعة ارتباط منظمة التحرير بالإرهاب، وقد أصدرت الجمعية العامة في حينه قرارين بإدانة رفض التأشيرة واعتباره مخالفة لاتفاق المقر، بأغلبية 151 صوتاً، ونقل بند "قضية فلسطين" في جدول الأعمال إلى جنيف لثلاثة أيام، بأغلبية 154 صوتاً. وكما هو متوقع، كان المعارض في القرارين هما أمريكا وإسرائيل، والممتنع بريطانيا. إلا أن الجديد في قرارات أمريكا ضد فلسطين العام الماضي واليوم أن الحظر يشمل الرئيس عباس وأكثر من ثمانين عضواً في وفده. وقد ردّت الجمعية العامة بقرار يطالب الدولة المضيفة بالعدول عن المنع، وترتيب بديل مؤقت إن لم تفعل، وتم ذلك بأغلبية 145 مقابل 5 معارضين وامتناع 6 للعام الماضي، بينما ارتفع العدد هذا العام إلى 152 مقابل 3 معارضين فقط وامتناع 4 دول. الأهم أنه في المرتين، أن الجمعية العامة لم تكتفِ بتمرير ترتيب بديل يلتف على المنع، بل صوّتت صراحة على مطالبة الولايات المتحدة بالعدول عن قرارها. ولا نعلم ماذا سيجري في العام القادم، وهل سيرتفع عدد الدول المؤيدة أم لا.وأخشى أنه في ظل غياب تحكيم رسمي (وفقاً للاتفاقية)، فإن البديل العملي المشروط سلفاً هو تثبيت انعقاد بند "قضية فلسطين" في جنيف تلقائياً إن تكرر المنع في الدورة القادمة، أسوة بقرار 1988، لا كاستثناء يُنتزع كل مرة، بل كترتيب معلن مسبقاً يُغلق الباب أمام تكرار المساومة السنوية على تأشيرة الوفد. وبصرف النظر عن أي حل يُعتمد، يبقى النص نفسه حاسماً فيما لا يسمح به، فلا حق لأمريكا بأي استثناء عام لاعتبارات سياسية أو عقابية، ولا يُعتبر الفيديو المسجل للخطاب أداءً كاملاً للالتزام التعاقدي، ولا تستطيع فلسطين وحدها تحريك آلية التحكيم في البند 21، ولا يُعتبر انتقال الجلسة إلى جنيف حقاً تلقائياً متاحاً في كل نزاع مشابه.ما العمل؟إن اعتراض أمريكا ليس بياناً صحفياً، بل ملف قانوني وسياسي يجب أن نتعامل معه على هذا الأساس من خلال تسجيل كل رفض تأشيرة كتابياً عبر بعثة منظمة التحرير المراقبة، مستنداً إلى نص البند 13-أ من اتفاقية المقر، وإحالة كل حالة فوراً إلى لجنة العلاقات مع البلد المضيف، بالتنسيق المسبق مع المجموعة العربية، لتأمين الأغلبية قبل التصويت لا بعده، وتحويل هذا النمط المتكرر، لا الحادثة المنفردة، إلى قضية رأي عام دولي، لأن قوة فلسطين ليست في آلية تحكيم لا تملك مفتاحها، بل في تصويت أكثر من 150 دولة إلى جانبها، بأغلبية تتسع لا تضيق.آخذين بالاعتبار ما سبق، فإنه من المؤسف تردي حال الأمم المتحدة في معالجة مخالفات دولة المقر بحق عضو أو أكثر من أعضائها؛ فبدل التمسك بما أرسته من سابقة عام 1988، تكتفي اليوم بشريط مسجل يُعرض على شاشة بينما يقف نظراؤه من رؤساء الدول خلف المنصة. برأيي أن هذا الحل ترقيعي، ولا يتطرق إلى المسألة القانونية وخرق دولة المقر لالتزاماتها، وهذا يعني أنه قد تكون اليوم فلسطين، ولا ندري من سيكون غداً. وأخشى أن يتحوّل الاستثناء، بتكراره سنتين متتاليتين، إلى ما يشبه القاعدة الجديدة، إن لم يُواجَه بثبات، وتُعلي فلسطين صوتها، وربما تبحث عن إجراءات تتخذها.لا بد من تجييش المجموعات الدولية المناصرة مثل مجموعة الـ77+ الصين والمجموعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية وغيرها لاتخاذ خطوات عملية لمنع تكرار المنع. فقد ورد في اتفاقية المقر (البند 21) أنه في حال الاختلاف بين الأمم المتحدة ودولة المقر، من حق أي من الفريقين اللجوء إلى التحكيم وفق آلية محددة، وهي آلية فضّلت الأمانة العامة نفسها عدم تفعيلها مرتين متتاليتين، مكتفيةً بـ"الاتصال"، كما سجّلت مستشارتها القانونية أمام لجنة العلاقات في 2025، وبـ"الأسف الشديد" كما كرر الأمين العام في 2026. وحيث إن فلسطين لا تملك صفة تمكنها من تحريك القضية وطلب التحكيم بمفردها، وأن لجنة العلاقات مع البلد المضيف تسجل الشكاوى أكثر مما تحسمها، وأن قرارات الجمعية العامة توثق موقفاً سياسياً دون إلزام تنفيذي مباشر فلا بد من العمل التضامني ضد سلوك أمريكا، لمنع البلد المضيف من التصرفات الرعناء بحق دول أخرى وخرق اتفاقية المقر.ويبقى السؤال الأكثر هشاشة في هذا الطرح سياسياً لا قانونياً: هل يتحول هذا الموقف، الذي أكدته الأمانة العامة في تقريرها لعام 2025، استناداً إلى فتوى 1988 بأن للمشمولين بالبند 11 "حقاً غير مقيّد" بالدخول، إلى إجراء ملزم فعلاً بموجب البند 21، أم يبقى مجرد "أسف" يتكرر كل عام كما جرى عامي 2025 و2026 حتى الآن؟ الجواب يتوقف على مواقف عربية وإسلامية رسمية، تُودَع لدى لجنة العلاقات مع البلد المضيف، لا على تصريحات إعلامية فقط.خلاصة القول: النص موجود، والالتزام قائم على الورق منذ سبعة عقود، الغائب فقط هو ثمن سياسي حقيقي تدفعه الدولة المضيفة كلما تجاهلته.

هيئة الأمم واتفاق المقر والمنع الأمريكي: ما الحل؟

عصام بكر: عضو المجلس الوطني الفلسطيني

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)