الأربعاء 23 سبتمبر 2026 8:55 صباحًا - بتوقيت القدس
ليست أهمية فيلم "نازا" في انه يقدم رواية جديدة عن حرب الابادة على غزة بقدر السؤال الذي يضعه امام المشاهد وماذا يحدث عندما تتحول حياة المدنيين الى متغير داخل معادلة قرار القتل نفسه؟ الفيلم الذي فاز بجائزة مهرجان فينيسيا، عبر شهادات من بعض مرتكبي الجرائم، فضلا عن تحقيقات صحفية سابقة حول منظومات الاستهداف واستخدام الذكاء الاصطناعي في الابادة الجماعية. اللافت هنا ليس مجرد الحديث عن حجم الدمار، فقد باتت صور غزة شاهدا على ذلك، بل الطريقة التي يكشف بها الفيلم كيف يكون القتل قابلا للإدارة، فاسم الفيلم المشتق من مصطلح عسكري يعني "الضرر الجانبي"، والذي يشير الى العدد المتوقع من النساء والاطفال الذين قد يقتلون نتيجة هجوم موجه الى هدف معين، هذا بالطبع اذا استطاع البعض تبرير عمليات الاغتيال ذاتها من حيث المبدأ، الأمر الذي يجعل عدد المدنيين المتوقع إبادتهم منفصلا عن قرار الموافقة على الاغتيال نفسه او مبرراته، وان المسألة تتجاوز “أخطاء فردية" او "حوادث عرضية"، لتصبح سؤالا عن البنية التي أنتجت القرار نفسه. فالتاريخ لا يقدم لنا الابادة والتطهير العرقي دائما في صورة جندي منفلت، وقائد يصدر امرا بالقتل، بل تبدأ الكارثة عندما يجري تفكيك المسؤولية الى وحدات اصغر، خوارزمية تحدد هدفا، وضابط يراجع معلومة، وقائد يوافق ومنظمة تحدد حجم "الخسائر الجانبية"، وسياسي يوفر الغطاء، وفي نهاية السلسلة لا يعود احد يرى الانسان كاملا، بل رقما فوق شاشة واحتمالا داخل تقرير، وحين يحدث ذلك يصبح القتل ككرة الثلج، قابلا للتكرار والاتساع، لان كل فرد يستطيع القول ان القرار لم يكن قراره وحده. لهذا تبدو ردود الفعل الرسمية على الفيلم جزءا من القصة نفسها، من وصف الفيلم بانه يشوه صورة القتلة، او الدعوة لسحب جنسية المخرجين، او اتهامه بتسريب معلومات عسكرية، وهذا يعود لكون المعركة الحقيقية لا تجري فوق ارض غزة وحدها، بل وفي عالم السردية ايضا، بين سردية سعت لتقديم ما يجري على انه حرب عسكرية "تقليدية"، واخرى تشكلت من قلب غزة، تنبع من القتل الواسع، والتدمير المنهجي، والتهجير، وابادة الشجر والحجر، وكل مقومات الحياة، ما يعطيها وزنا يتجاوز الخطاب السياسي الفلسطيني، لتصل الى التقارير الأممية، والتحقيقات الصحفية، والشهادات العسكرية والامنية نفسها، مدعومة بما خلصت له لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة التي رات فيما يحدث أعمالا ترقى الى الابادة الجماعية، فضلا عن المسار القانوني الذي يراوح مكانه، ما يعني ان القضية انتقلت من دائرة السجال السياسي والاعلامي الى المسار القضائي الدولي، والتي ستبقى آثاره حاضرة أيا كان الحكم النهائي، وهنا تكمن اهميته، فالحروب لا تنتهي فقط عندما تصمت المدافع، بل عندما يستقر تفسير ما حدث في ذاكرة الشعوب وكتب التاريخ والقانون، فما يبدو اليوم معركة على السرد، سيتحول في الغد الى معركة على المسؤولية والمحاسبة والشرعية.لكن المسالة الأهم ليست الفيلم وحده، ولا صحة الشهادات التي وردت فيه، او شموليتها، بل ان كثيرا مما كشفه لا يأتي من فراغ، بل يتقاطع مع تحقيقات وشهادات ووقائع سبقت الفيلم، ولهذا فان محاولة اختزال "نازا" في عمل سينمائي معاد للاحتلال لا تجيب عن السؤال الذي يطرحه، وهو كيف أصبحت حياة الفلسطيني قابلة للدخول في حسابات الحرب بهذه السهولة؟ فقيمة الفيلم لا تكمن في انه اغلق ملفا، بل في انه فتحه على مصراعيه، والاختبار الحقيقي ليس انكار الفيلم او تمجيده، بل مساءلة من اتخذ القرارات، ومن صمم الانظمة، ومن وضع القواعد التي سمحت بتحويل حياة الأطفال والنساء الى "اضرار جانبية"، وفي النهاية، تبقى المعركة الاهم هي كسر هذه المعادلة نفسها، واعادة الانسان الى مركز الحساب، بوصفه حياة وكرامة وحقوقا، لا رقما "مقبولا" ضمن "الخسائر الجانبية".
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)