في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء 22 أيلول ، وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأزمات الدولية المتشابكة في قلب حديثه، من الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى أمن الطاقة والممرات البحرية، داعياً إلى استعادة فاعلية العمل متعدد الأطراف في مواجهة تراجع الثقة بالنظام الدولي. وجاء الخطاب في افتتاح أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي تعقد تحت شعار “استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تقدم للجميع”. وكانت الرئاسة الفرنسية قد أعلنت أن ماكرون سيركز بصورة خاصة على أوكرانيا والشرق الأوسط وتداعيات الصراعات على أسواق النفط والغاز.
وفي حديثه عن غزة، وصف ماكرون الوضع بأنه «مشهد يخجلنا جميعاً»، متسائلاً عن قيمة المصداقية الدولية إذا بقي العالم عاجزاً عن التحرك. وقال إن الحديث عن تحقيق السلام لا يتطابق مع الواقع الإنساني ما دامت المساعدات لا تصل إلى سكان القطاع بصورة كافية.
غير أن القضية الفلسطينية، رغم حضورها في الخطاب، لم تستحوذ على المساحة التي احتلتها ملفات أخرى، خصوصاً الحرب الروسية ـ الأوكرانية وأمن الطاقة والنظام الدولي. ويكتسب هذا الحضور المحدود أهمية إضافية لأنه يأتي بعد عام من إعلان فرنسا اعترافها بدولة فلسطين من على المنبر نفسه، في 22 أيلول 2025، في خطوة سعت باريس إلى ربطها بإحياء حل الدولتين.
ويعكس خطاب ماكرون، في هذا السياق، انتقالاً من لحظة الإعلان السياسي الكبير إلى محاولة التعامل مع نتائجها وحدودها. فقبل عام، قدم الرئيس الفرنسي الاعتراف بفلسطين باعتباره جزءاً من مسار سياسي أوسع؛ أما اليوم، فتبدو باريس أمام واقع أكثر تعقيداً، مع استمرار الحرب في غزة، وتدهور الوضع في الضفة الغربية، وغياب مسار سياسي واضح قادر على تحويل الاعترافات الدولية إلى تغيير ملموس على الأرض. وقد أشار تقرير حديث في “لوموند” إلى انتقادات فلسطينية ودبلوماسية تعتبر أن الاعتراف الفرنسي كان ذا قيمة رمزية كبيرة، لكنه لم يغيّر الدينامية على الأرض.
تكمن المفارقة الأساسية في الموقف الفرنسي في أن الاعتراف بدولة فلسطين، الذي شكّل لحظة سياسية بارزة في خطاب ماكرون العام الماضي، لم يتحول خلال عام إلى أداة قادرة على فرض مسار سياسي جديد. وهذا لا يلغي القيمة الدبلوماسية للاعتراف، لكنه يوضح الفارق بين الاعتراف القانوني والسياسي وبين امتلاك وسائل الضغط اللازمة لتغيير الوقائع الميدانية. ويبدو خطاب الثلاثاء أكثر حذراً في هذا المجال؛ إذ ركز ماكرون على ضرورة التحرك والعمل الجماعي، لكنه لم يقدم في كلمته تحولاً نوعياً مماثلاً للحظة الاعتراف الفلسطيني التي شهدتها الأمم المتحدة عام 2025.
حين يصف ماكرون غزة بأنها “مشهد يخجلنا جميعاً”، فإنه يضع المأساة الإنسانية في إطار أخلاقي وسياسي يتجاوز حدود فرنسا وأوروبا. لكن أهمية العبارة تتوقف على ما يمكن أن يتبعها من إجراءات. فالمشكلة التي تواجه الخطاب الفرنسي ليست غياب اللغة الإنسانية، بل الفجوة بين التشخيص والتحرك. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل غزة عن الضفة الغربية أو عن مستقبل حل الدولتين، خصوصاً في ظل استمرار التوسع الاستيطاني والضغط على الفلسطينيين. لذلك يبقى السؤال المطروح أمام باريس هو كيفية ترجمة خطابها إلى سياسة قادرة على التأثير في الأطراف المعنية.
التعليقات (0)