f 𝕏 W
القانون في مواجهة الاحتلال.. حين يصبح تفعيل الأدوات القانونية جزءاً من معركة الحقوق

جريدة القدس

سياسة منذ 13 دق 0 9 د قراءة
زيارة المصدر ←

القانون في مواجهة الاحتلال.. حين يصبح تفعيل الأدوات القانونية جزءاً من معركة الحقوق

الثّلاثاء 22 سبتمبر 2026 3:22 مساءً - بتوقيت القدس

قد يقول قائل: ما جدوى القانون الدولي إذا كانت إسرائيل لا تلتزم به، ولا تُذعن لقرارات المحاكم الدولية، ولا تتعامل مع قواعد القانون الدولي الإنساني بالقدر الذي يفترضه القانون؟السؤال مشروع، لكنه يقود إلى نتيجة خاطئة إذا انتهينا منه إلى التخلي عن القانون وأدواته.فعدم امتثال دولة ما لقاعدة قانونية لا يعني سقوط القاعدة، وعدم تنفيذ قرار دولي لا يعني أن القرار أصبح بلا قيمة قانونية. بل إن أهمية القانون، في الحالة الفلسطينية تحديداً، تكمن في أنه يحوّل معاناة شعبنا من مجرد وقائع يومية إلى حقوق ووقائع قابلة للتوثيق والمساءلة والمطالبة بالتعويض، ويضع على عاتق الدول والمؤسسات الدولية مسؤوليات لا ينبغي أن نتركها معلقة في الملفات والأدراج.وقد جاءت فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 19 تموز/يوليو 2024 لتؤكد أهمية هذا المسار؛ فقد خلصت المحكمة إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإلى أن المستوطنات وسياسة الضم وتغيير الواقع الديموغرافي وانتهاكات أخرى تترتب عليها نتائج قانونية ومسؤوليات، بما في ذلك جبر الضرر.هل نستخدم نحن الفلسطينيين كل ما يتيحه القانون الدولي من أدوات للدفاع عن حقوقنا، أم نكتفي بإصدار البيانات والاحتجاجات السياسية؟القانون ليس بديلاً عن السياسة.. لكنه ليس تابعاً لهالا يمكن للقانون وحده أن ينهي الاحتلال، كما أن المحاكم الدولية ليست بديلاً عن العمل السياسي والدبلوماسي والمقاومة الشعبية المشروعة. لكن الخطأ هو وضع القانون في مرتبة ثانوية.القانون الدولي يوفر لنا لغة مشتركة مع العالم، ويحوّل الملف الفلسطيني من قضية سياسية فقط إلى قضية حقوق ومسؤوليات والتزامات. والأهم أنه يسمح ببناء ملفات تراكمية يمكن استخدامها أمام محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة، والهيئات التعاهدية، والمحاكم الوطنية في الدول التي تسمح قوانينها بمثل هذه الإجراءات، إضافة إلى المؤسسات الدولية المتخصصة. وهذا يتطلب الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الملف القانوني الفلسطيني.المقاصة.. من أزمة مالية إلى ملف قانونيخذوا مثلاً ملف أموال المقاصة. إن استمرار التحكم الإسرائيلي بجزء كبير من الإيرادات الفلسطينية، وعمليات الخصم أو الحجز أو عدم التحويل، ليست مسألة مالية محضة، بل لها أبعاد قانونية مرتبطة بالترتيبات المالية القائمة وبالتزامات الأطراف وبالآثار التي تترتب على حجز الأموال أو اقتطاعها.وتشير الأمم المتحدة إلى أن آلية المقاصة التي أنشأها بروتوكول باريس ما زالت تمثل جزءاً أساسياً من الإيرادات الفلسطينية، وأن إسرائيل تسيطر من خلال هذه الآلية على جانب كبير من الإيرادات المالية الفلسطينية، مع تسجيل عمليات تعليق وخصم للتحويلات.لذلك، المطلوب ليس فقط المطالبة السياسية بالإفراج عن الأموال، وإنما إعداد ملف قانوني متكامل يحدد: ما هو مصدر الأموال؟ ومن هو صاحب الحق فيها؟ ما هو السند القانوني لأي خصم أو حجز؟ ما هي الآلية المتاحة للاعتراض؟ وما هي الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن حجزها أو تأخيرها؟ ثم تُنقل النتائج إلى المحافل الدولية المختصة، كل بحسب اختصاصه.لمّ الشمل.. آلاف العائلات يجب أن تتحول إلى ملف قانونيهناك ملف آخر يمس حياة آلاف الفلسطينيين بصورة مباشرة: لمّ الشمل وتسجيل العائلات وإصدار الهويات والأرقام الوطنية. هذه ليست معاملات إدارية بسيطة.عندما يعيش فلسطيني سنوات طويلة دون هوية، أو عندما يعجز زوج عن العيش مع زوجته، أو أب عن استكمال الوضع القانوني لأسرته، فإن الأمر يتجاوز الورقة والرقم إلى مسائل تتعلق بالحياة الأسرية والإقامة والحقوق المدنية.وقد وثقت المذكرات القانونية المقدمة إلى محكمة العدل الدولية مسألة القيود الإسرائيلية على لمّ شمل الأسر الفلسطينية، وربطتها بحقوق الأسرة وعدم التمييز.فلماذا لا يكون لدينا ملف فلسطيني موحد للمّ الشمل؟ قاعدة بيانات قانونية موثقة، تتضمن عدد الطلبات، سنوات الانتظار، أسباب الرفض، الحالات الإنسانية، الحالات التي يوجد فيها أطفال، والآثار التي ترتبت على عدم منح الوضع القانوني.عندها يصبح لدينا ملف يمكن عرضه أمام الجهات الدولية المختصة، بدلاً من أن تبقى آلاف الحالات مجرد شكاوى فردية.الأسرى والمعتقلون.. التوثيق القانوني قبل الخطاب السياسيملف الأسرى والمعتقلين يجب أن يكون أيضاً ملفاً قانونياً متكاملاً. القانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة لحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم، بما في ذلك معاملتهم بإنسانية واحترام كرامتهم وظروف احتجازهم والتواصل مع عائلاتهم. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يتمتعون بحماية القانون الدولي الإنساني، وأن على إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، احترام هذه القواعد. والمطلوب هنا ليس فقط توثيق عدد الأسرى. المطلوب أن يكون لكل حالة ملف قانوني:تاريخ الاعتقال، مكان الاحتجاز، الوضع القضائي، نوع التهمة، ظروف الاعتقال، المحاكمة، الوضع الصحي، الزيارات، التواصل مع الأسرة، وأي ادعاءات موثقة تتعلق بسوء المعاملة. ثم تُجمع هذه الملفات في قاعدة بيانات وطنية قانونية، ويجري استخدامها أمام الآليات الدولية المختصة.الهدم والتدمير.. كل بيت يجب أن يترك وراءه ملفاًوفي ملف الهدم، لا ينبغي أن ينتهي الأمر بصورة لبيت مهدوم. يجب أن يكون وراء كل عملية هدم ملف يتضمن: ملكية الأرض، وضع العقار، رخصة البناء إن وجدت، القرار الإسرائيلي الذي استند إليه الهدم، الجهة التي أصدرته، تاريخ التنفيذ، قيمة العقار، عدد أفراد الأسرة، الأضرار المادية والمعنوية، وأي تهجير ترتب عليه.وهذا مهم لأن محكمة العدل الدولية تناولت بالفعل مسألة هدم الممتلكات الفلسطينية والقيود على الحركة والسكن ضمن تقييمها للوضع القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة. (المحكمة الدولية للعدل⁠)وعندما تتراكم هذه الملفات، فإننا لا نمتلك مجرد إحصائية عن عدد البيوت المهدمة، بل سجلاً قانونياً قابلاً للاستخدام في دعاوى المسؤولية والتعويض والمساءلة.الحواجز والبوابات.. من معاناة يومية إلى توثيق قانونيالأمر نفسه ينطبق على الحواجز والبوابات والإغلاقات. كل حاجز قد يبدو حادثة منفردة، وكل بوابة قد تبدو إجراءً عسكرياً مؤقتاً، لكن عندما يصبح لدينا توثيق منهجي لتأثير هذه الإجراءات على حرية الحركة، والوصول إلى العمل والتعليم والمستشفيات والأراضي الزراعية، وعلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإن الصورة القانونية تصبح أكثر وضوحاً.وهنا يمكن للجهات الفلسطينية، بالتعاون مع نقابة المحامين والجامعات ومؤسسات حقوق الإنسان، إنشاء مرصد قانوني للحواجز والإغلاقات. ليس هدفه إصدار البيانات، بل إنتاج الأدلة.ماذا تستطيع السلطة ومنظمة التحرير ونقابة المحامين أن تفعل؟ المطلوب في رأيي ليس إنشاء مؤسسة جديدة بالضرورة، وإنما توزيع الأدوار وإنشاء آلية تنسيق قانونية حقيقية.يمكن للسلطة الفلسطينية أن تجمع الوثائق الرسمية والبيانات المتعلقة بالملفات التي تمس المواطنين.ويمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تستخدم علاقاتها الدولية لفتح المسارات السياسية والقانونية اللازمة.ويمكن لنقابة المحامين الفلسطينيين أن تكون جزءاً من هذا الجهد من خلال تشكيل لجنة أو وحدة متخصصة في القانون الدولي وقانون الاحتلال، تضم محامين وباحثين وخبراء في القانون الدولي، مهمتها إعداد الملفات القانونية لا إصدار البيانات فقط.كما يمكن للجامعات الفلسطينية ومراكز الدراسات أن تكون شريكاً في البحث والتوثيق.والأهم من ذلك أن يجري اختيار ملفات محددة قابلة للإنجاز بدلاً من فتح عشرات الملفات دون القدرة على متابعتها.نحتاج إلى إنجازات قانونية.. لا إلى بيانات جديدةقد لا نستطيع إنهاء الاحتلال بواسطة دعوى واحدة. وقد لا تستطيع محكمة دولية أن تجبر إسرائيل غداً على تنفيذ كل ما يصدر عنها. لكن، يمكن تحقيق إنجازات قانونية تراكمية. قد يكون الإنجاز الأول قراراً أو إجراءً دولياً بشأن ملف المقاصة. وقد يكون الثاني تحريك ملف لمّ الشمل. وقد يكون الثالث توثيقاً دولياً منظماً لظروف الأسرى. وقد يكون الرابع بناء ملف قانوني متكامل حول الهدم والتهجير.وقد يكون الخامس إدخال ملف الحواجز والإغلاقات بصورة منهجية إلى الآليات الدولية المختصة.هذه ليست إنجازات صغيرة.لأن المعركة القانونية لا تقاس فقط بعدد القرارات التي تصدر، وإنما أيضاً بقدرتنا على تثبيت الحق، وتوثيق الانتهاك، وتحديد المسؤولية، وحفظ حق المتضرر في المطالبة بجبر الضرر.الاحتلال يريد أن يجعل المخالفة أمراً اعتيادياًأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول خرق القانون إلى أمر معتاد، وأن تتحول معاناة الفلسطيني إلى خبر يومي لا يترك وراءه أثراً قانونياً. هنا تحديداً يجب أن يكون القانون حاضراً. كل أرض تصادر يجب أن يكون لها ملف. كل بيت يهدم يجب أن يكون له ملف. كل معتقل يجب أن يكون له ملف. كل عائلة محرومة من لمّ الشمل يجب أن يكون لها ملف. كل مبلغ يحجز أو يقتطع يجب أن يكون له ملف. وكل حاجز يغلق طريقاً ويعطل حياة الناس يجب أن يكون له توثيق.فإذا كان الاحتلال يراهن على مرور الزمن حتى تتحول الوقائع إلى أمر واقع، فعلينا أن نراهن نحن على القانون حتى تتحول الوقائع إلى ملفات وحقوق ومسؤوليات.لا يجوز أن نسقط القانون من حساباتناقد لا تستجيب إسرائيل اليوم. وقد لا تنفذ قراراً غداً. وقد يستغرق المسار القانوني سنوات. لكن التخلي عن القانون لأن الخصم لا يحترمه يعني أن نترك واحدة من أهم ساحات الصراع مفتوحة من دوننا.لقد أثبتت التجربة أن القانون الدولي ليس عصاً سحرية، لكنه أيضاً ليس وهماً. هو أداة تحتاج إلى دولة تستخدمها، ومنظمة تحرير توظفها، ونقابة محامين تطورها، وجامعات تبحث فيها، ومؤسسات توثقها، ومحامين يحملون ملفاتها إلى المحافل المناسبة.المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات التي تقول إن إسرائيل تخالف القانون، بل المزيد من الملفات التي تثبت كيف خالفت القانون، ومن تضرر، وما هو النص القانوني الذي انتهك، وما هي الجهة المختصة التي يمكن اللجوء إليها، وما هو الجزاء أو التعويض أو الإجراء الممكن المطالبة به.فالقانون وحده قد لا ينهي الاحتلال، لكن غياب القانون عن معركتنا يجعل الاحتلال أكثر قدرة على تحويل انتهاكاته إلى واقع دائم.ولهذا، فإن تفعيل القانون الدولي ليس ترفاً سياسياً ولا عملاً بروتوكولياً؛ بل هو جزء من حماية الحقوق الفلسطينية، وحفظها للأجيال، وتحويل الرواية من مجرد شهادة على الألم إلى ملف قانوني قائم على الدليل.* أمين سر نقابة المحامين.———تفعيل القانون الدولي ليس ترفاً سياسياً ولا عملاً بروتوكولياً؛ بل هو جزء من حماية الحقوق الفلسطينية، وحفظها للأجيال، وتحويل الرواية من مجرد شهادة على الألم إلى ملف قانوني قائم على الدليل.

القانون في مواجهة الاحتلال.. حين يصبح تفعيل الأدوات القانونية جزءاً من معركة الحقوق

المحامي صلاح الدين علي موسى

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)