في قلب باب المندب، ثمة جزيرة صخرية تعرف باسم "ميون"، لا تتجاوز مساحتها 13 كيلومترا مربعا، غير أن موقعها طالما منحها قيمة دفعت الإمبراطوريات الكبرى، على مر العصور، إلى السعي للسيطرة عليها، باعتبارها مفتاحا للتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
شهدت جزيرة ميون في مطلع القرن السادس عشر وصولا برتغاليا قصير الأمد؛ بهدف السيطرة على طرق التجارة الشرقية خاصة التوابل، غير أن البرتغاليين لم يقيموا فيها وجودا دائما، وتخلوا عن المشروع بسبب ندرة المياه وصعوبة الاستيطان. وقد احتلت شركة الهند الشرقية البريطانية الجزيرة لفترة وجيزة عام 1799، قبل أن تعود بريطانيا إليها عام 1857 وتبقيها تحت سيطرتها حتى انسحابها من عدن عام 1967. أصبحت "ميون" بعدئذ جزءا من الدولة الجديدة في جنوب اليمن، مع فشل محاولة بريطانية لتدويلها. وخلال الحرب الباردة، عززت الدولة الجنوبية علاقاتها السياسية والعسكرية مع الاتحاد السوفياتي؛ فتحولت عدن، ومعها مواقع مثل ميون وسقطرى، إلى نقاط ذات أهمية للحضور البحري السوفياتي في خليج عدن والبحر الأحمر.
مع اندلاع الحرب اليمنية وسيطرة الحوثيين على صنعاء عادت "ميون" إلى الواجهة، بعدما انتزعت قوات يمنية مناهضة للحوثيين الجزيرة منهم عام 2015، بمساندة من التحالف العربي بعد فترة وجيزة من سيطرتهم عليها. بقيت "ميون" تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة إلى أن انسحبت منها في 10 سبتمبر/أيلول الجاري، قبل أن تصل إليها في اليوم التالي قوارب تحمل مقاتلين حوثيين مؤذنة بسيطرة حوثية على الجزيرة والمضيق الإستراتيجي. وقد قال الحوثيون إن عملياتهم لا تستهدف الملاحة الدولية، وأن السفن يمكنها المرور بأمان، باستثناء السفن السعودية التي زعموا إنها "تخضع لحصار بحري". وبحسب تقارير صحفية، فضّلت واشنطن في هذه المرحلة تجنب تدخل عسكري مباشر أوسع في باب المندب، بينما ركزت اتصالاتها على حماية مصالحها.
هنا تتجاوز قصة "ميون" حدود الحرب اليمنية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اضطلعت البحرية الأمريكية بدور يتجاوز حماية سفنها ومصالحها إلى تأمين جانب أساسي من تدفقات التجارة والطاقة عبر البحار. وهي مفارقة يلتفت إليها بروس جونز، الباحث في شؤون الأمن الدولي والإستراتيجية في معهد بروكينغز، حين يشير إلى أن الولايات المتحدة ورثت بعد الحرب جانبا من الوظيفة التي أدتها البحرية الملكية البريطانية في حماية طرق التجارة، لكن المستفيدين من هذه الحماية تغيروا بمرور الوقت. فالأسطول الأمريكي لم يعد يؤمِّن فقط الطرق التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل طرقا تمر عبرها تجارة وطاقة تستفيد منها أيضا قوى منافسة مثل الصين وروسيا، وهو ما يضع واشنطن أمام سؤال عن مواصلة تحمُّل كلفة نظام ينتفع به الآخرون أيضا من وجهة نظرها.
ولا يبدو هذا السؤال جديدا، فقد واجهت بريطانيا واقعا مشابها عند انسحابها من عدن عام 1967. ولم يكن القرار مبنيا على فقدان الإمبراطورية قدرتها على إرسال السفن والجنود إلى المنطقة، بل على سياق أوسع كانت فيه لندن تعيد النظر في الأعباء العسكرية والإستراتيجية التي تستطيع أو تريد الاستمرار في تحملها مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها. ولم يكن أثر القرار عسكريا فحسب، إذ إن إعلان نهاية الوجود البريطاني دفع القوى المحلية إلى إعادة حساباتها؛ استعدادا لبيئة لم تعُد فيها لندن ضامنا بالطريقة نفسها.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة في 2026 تقف حيث وقفت بريطانيا في الستينيات، فواشنطن ما تزال تملك تفوقا بحريا عالميا وشبكة واسعة من القواعد والحلفاء، كما أن رفض التدخل في أزمة بعينها (حتى الآن) لا يعني التخلي عن حماية النظام البحري كله. لكن باب المندب يعيد طرح سؤال حول ما يحدث حين تبدأ القوة المهيمنة في تقليص بعض الوظائف التي تحملت كلفتها لعقود. فهل يعكس الموقف الأمريكي الحالي امتناعا تكتيكيا فرضته أولويات اللحظة؟ أم تحولا أوسع في طريقة ممارسة واشنطن لهيمنتها؟ وإذا كانت الولايات المتحدة أقل استعدادا لتحمل أعباء حراسة الممرات، فهل يكون ذلك مؤشرا على صعود قوة عظمى جديدة مستعدة لوراثة جانب من الدور الذي انتقل يوما من الإمبراطورية البريطانية إلى الولايات المتحدة؟ أم أن هذه الوظيفة ستخرج من أسر الواحد لتتوزع هذه المرة بين قوى متعددة؟
التعليقات (0)