ما أحوجنا في هذه الأيام، خاصة في ظل كثرة النقاشات المحتدمة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى العودة إلى مفهوم الثوابت ومعانيها وإسقاطاتها على واقعنا. فهذه النقاشات تصل في أحيان كثيرة إلى سجالات كيدية، وتنحرف عن مسارها الطبيعي، فتأخذ البُعد الشخصي والحزبي والفكري إلى مكان لا يرضي أحدًا. ومع أن هناك من يسأل عن الثوابت ومعانيها وإسقاطاتها من باب الاستفسار والمعرفة، فهذا حقهم طبعًا أن يسألوا، ومن حقهم أيضًا أن يجدوا أجوبة واضحة ومقنعة، إلا أن هناك، في المقابل، من يتعامل مع هذه الثوابت بالاستهزاء والسخرية، ويحوّلها إلى مادة للمناكفات والسجالات الانتخابية. وبين هذا وذاك، يبقى من الواجب أن يجد كل طرف الجواب والتفسير، وأن يكون النقاش حول الثوابت قائمًا على الفهم والمعرفة، لا على التهكم أو التوظيف الحزبي أو الشخصي.
لكن قبل الخوض في معنى الثوابت، لا بد أولًا من أن نعرف من نحن، وماذا نريد، وإلى أين نريد أن نصل، وما هو المطلوب منا. فالثوابت لا يمكن أن تكون منفصلة عن هويتنا وانتمائنا، ولا يمكن أن نفهمها بمعزل عن واقعنا وتاريخنا وموقعنا في هذه البلاد. فإذا حددنا، رغم الواقع الذي فُرض علينا نتيجة النكبة وتداعياتها، ورغم المواطنة المشروطة والمنقوصة، ورغم التمييز وعدم المساواة في الحقوق، أننا شعب فلسطيني أصلاني، له امتداد وجذور تلتقي مع دائرة عروبية وإسلامية، فإن الحديث عن الثوابت يصبح أكثر وضوحًا. وهذا الامتداد العروبي والإسلامي يتسع لأبناء هذه المنطقة بمختلف انتماءاتهم الدينية، فقد كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من نسيج شعوبها، ومن فضائها الحضاري والثقافي.
ومن هنا، يصبح البحث في الثوابت بحثًا عن هويتنا وانتمائنا ومشروعنا. فالثوابت، ببساطة، هي القضايا والمبادئ والقيم التي نراها أساسية في هويتنا ووجودنا، والتي لا يجوز أن تكون محل مساومة أو تفريط، لأنها تمثل الأساس الذي نبني عليه مواقفنا وخياراتنا. أما في مقابل الثوابت، فهناك المتغيرات، وهي الأدوات والوسائل والمواقف والاجتهادات التي يمكن أن تتبدل وتتطور وفق الظروف والمستجدات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الثوابت. والخلط بين الثابت والمتغير قد يقود إلى إشكالية كبيرة، حين تتحول الوسيلة إلى غاية، أو يصبح التمسك بأداة معينة أهم من الحفاظ على المبدأ الذي من أجله اختُيرت تلك الأداة.
ومن هنا، تصبح الثوابت معيارًا نقيس عليه مواقفنا وأدواتنا ومساراتنا المختلفة. فليس المهم فقط أن نسأل: ماذا تحقق لنا هذه الأداة أو ذاك المسار من مكاسب آنية أو مصالح سياسية؟ وإنما الأهم أن نسأل: ماذا تحمي لنا من ثوابت؟ وماذا يمكن أن تخسرنا؟ وهل تساعدنا على الحفاظ على هويتنا وانتمائنا وأرضنا وبيوتنا ومقدساتنا، أم أنها، تحت عناوين مختلفة، تقودنا إلى التفريط بها أو إضعافها أو فصلنا عنها؟
وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقيم مختلف الأدوات والمسارات السياسية، لا من خلال نتائجها الآنية فقط، وإنما من خلال قدرتها على خدمة ثوابتنا والحفاظ عليها. فإذا كانت هذه الأدوات والمسارات تحقق مصالحنا من دون أن تمسّ ثوابتنا أو تنتقص منها، فكان بها ونِعمَت، أما إذا تحولت هذه الأدوات إلى غاية بحد ذاتها، أو أصبحت نتائجها تتناقض مع ثوابتنا، أو تؤدي إلى التفريط بها وتضييعها، فعندها يصبح من واجبنا أن نتوقف، وأن نراجع، وأن ننكر ما نراه خطأً، وأن نرفضه، مهما كانت الجهة التي تتبناه أو العنوان الذي يرفع باسمه.
وعلى هذا الأساس، تأتي هذه الوقفة مع كتاب فضيلة الشيخ رائد صلاح بعنوان "معركة الثوابت"، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها الشيخ وجُمعت في كتاب واحد، ينطلق فيها من فكرة مركزية مفادها أن "الثوابت الإسلامية والعروبية والفلسطينية هي التي تحفظ هوية الفرد والمجتمع والشعب والأمة، وأن التفريط بها يؤدي إلى التفكك، وفقدان الأرض، والبيت، والمقدسات. فالإنسان بلا ثوابت يفقد هويته وانتماءه، والمجتمع بلا ثوابت يتحول إلى مجرد تجمع أفراد لا يجمعهم مشروع أو مصير مشترك".
التعليقات (0)