حين تتحدث إيران عن بناء نظام أمني إقليمي تشارك فيه دول المنطقة، وعن ضرورة أن يكون أمن الخليج مسؤولية دوله، وعن رفض التدخلات الأجنبية، فإنها تفتح سؤالا أكبر من التصريح نفسه: أي إيران ستدخل هذا النظام؟ فالمشكلة التي تواجه دول الخليج والعالم في التعامل مع طهران لا تتعلق بسياساتها فقط، وإنما أيضا بالتناقض الذي يحيط بخطابها: مسؤول يتحدث عن التعاون، وآخر عن التهديد، وأحيانا يجتمع الخطابان في التصريح نفسه. وهنا يصبح السؤال بسيطا وعميقا في آن: مع من نتعامل؟ ومن يمثل إيران؟
هذا التناقض لا يظهر بين المؤسسات والتيارات السياسية فقط، وإنما على المستوى الفردي أيضا. ومحسن رضائي وقاليباف يقدمان مثالين على تعدد الرسائل الإيرانية. فرضائي، صاحب الخلفية العسكرية والسياسية، يلوح في بعض تصريحاته باستهداف منشآت نفطية وقواعد في دول الخليج إذا تعرضت إيران لعدوان، ثم يتحدث عن هذه الدول باعتبارها حكومات صديقة ويدعوها إلى التعاون ضمن منظومة أمنية إقليمية والابتعاد عن الولايات المتحدة وتحالفاتها.
وفي المقابل، تأتي تصريحات قاليباف في بعض الملفات محملة برسائل مختلفة، تجمع بين الحديث عن علاقات الجوار والتعاون الإقليمي ولهجة أكثر تشددا في القضايا الأمنية والسياسية.
المشكلة ليست في اختلاف اللهجات بين المسؤولين، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن الاختلاف قد يصل إلى درجة تجعل الطرف الآخر عاجزا عن معرفة أي خطاب يعكس السياسة الفعلية التي ينبغي أن يبني عليها حساباته. كيف يمكن أن تكون دول الخليج حكومات صديقة وشريكة في منظومة أمنية إقليمية، ثم تصبح منشآتها وقواعدها أهدافا محتملة؟ وكيف يمكن مطالبتها بالابتعاد عن التحالفات التي توفر لها مظلة أمنية، في الوقت نفسه الذي تتلقى فيه رسائل تجعل حاجتها إلى تلك المظلة أكثر إلحاحا؟
من هنا تأتي أهمية مصطلح ما يسمى "الثورة على الثورة". وهي لا تعني ثورة جديدة على الدولة الإيرانية أو هويتها، وإنما مراجعة عميقة لبعض الأفكار والأدوات التي ولدت في لحظة تاريخية محددة واستمرت في العمل رغم تغير المنطقة وموازين القوة والمصالح.
فالثورة الإيرانية عام 1979 أنتجت منظومة سياسية وفكرية قامت على مقاومة الهيمنة الأمريكية ونصرة المستضعفين وتصدير الثورة، ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 لتترك شعورا عميقا بالتهديد، وتدفع الدولة إلى بناء تصور أمني يقوم على القوة والردع والبحث عن العمق الإقليمي. ومن الطبيعي أن تترك تلك التجربة آثارها في السياسة الإيرانية، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أدوات مرحلة تاريخية إلى قواعد ثابتة لعقود طويلة.
التعليقات (0)