تواجه مصر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب معادلة أمنية متزايدة التعقيد، لا تقتصر على تهديد الملاحة وإيرادات قناة السويس، وإنما تمتد إلى موقعها ونفوذها في فضاء ظل تاريخيا إحدى الدوائر الرئيسية لأمنها القومي. فمن الشرق، وسع الحوثيون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن وصولا إلى باب المندب، ومن الغرب تواصل إثيوبيا مساعيها للحصول على منفذ بحري، سواء عبر إريتريا أو أرض الصومال، بينما يتزايد الحضور العسكري للقوى الدولية والإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتتناول ورقة تحليلية للباحث بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان "الرؤية المصرية للتهديدات الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب"، كيفية تعاطي القاهرة مع هذه التهديدات المتزامنة، وما إذا كانت التحولات الجارية تتيح لها استعادة جانب من نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، أم تكشف حدود قدرتها على التأثير في منطقة ازدحمت بالفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.
وتنطلق الورقة من أن البحر الأحمر لا يمثل بالنسبة إلى مصر مجرد طريق ملاحي، بل يشكل منفذها البحري الشرقي إلى العالم، ويربط قناة السويس بباب المندب والمحيط الهندي. وتمر عبره، بحسب الورقة، نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، فضلا عن أهميته في نقل النفط والتجارة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. كما يتمتع بأهمية عسكرية دولية جعلته ممرا استراتيجيا للقوات والأساطيل الأمريكية بين البحر المتوسط والخليج والمحيط الهندي.
وقد ازدادت حساسية هذه الدائرة بالنسبة إلى القاهرة منذ عام 2015 مع الحرب اليمنية وصعود الحوثيين، ثم تصاعدت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتفاقم مع الحرب الأمريكية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ثم وصول الحوثيين إلى باب المندب في سبتمبر/أيلول 2026. وفي الوقت نفسه ظهر على الضفة الأفريقية تحد آخر يتمثل في المسعى الإثيوبي للحصول على منفذ بحري، لتجد القاهرة نفسها أمام ضغوط متزامنة على جانبي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
تشير الورقة إلى أن السياسة المصرية تجاه البحر الأحمر لا يمكن فهمها باعتبارها استجابة آنية للتطورات الأخيرة؛ إذ تستند إلى رؤية تجمع بين اعتبار المنطقة جزءا من الأمن القومي المصري وإدراك أن القاهرة لا تستطيع إدارتها بصورة منفردة.
فالبحر الأحمر تتقاطع فيه مصالح الدول العربية المشاطئة، إلى جانب إريتريا وإسرائيل، كما أن باب المندب نفسه تتحكم في ضفتيه اليمن وجيبوتي وإريتريا. وفوق ذلك، أصبح الممر مجالا لحضور عسكري دولي واسع، وفي مقدمته الوجود الأمريكي، الذي تعزز بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 وإنشاء القوات البحرية المشتركة لمكافحة الإرهاب والقرصنة وتأمين الملاحة.
التعليقات (0)