f 𝕏 W
سلطة منزوعة السياسة

جريدة القدس

سياسة منذ 2 سا 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

سلطة منزوعة السياسة

أخطر ما قد يحدث للسلطة الفلسطينية ليس أن تسقط، بل أن تبقى بعد أن تتغير وظيفتها. أن تبقى الحكومة والوزارات والأجهزة والموظفون والانتخابات، بينما تتراجع السياسة من داخل المؤسسة، فتتحول من إطار يفترض أن يقود إلى الدولة إلى جهاز لإدارة السكان والأمن والخدمات وإعادة الإعمار، ضمن سقف تحدده ترتيبات تتجاوز إرادتها. عندها لا يحتاج أحد إلى إلغاء السلطة؛ يكفي إعادة تعريف مهمتها.

الإصلاح الفلسطيني ضرورة لا يمكن إنكارها. فالسلطة تحتاج إلى تجديد شرعيتها، وإصلاح مؤسساتها، وإعادة بناء علاقتها بالمجتمع، وتوسيع المشاركة السياسية، وإنهاء الانقسام. لكن الفارق كبير بين إصلاح يعيد للمؤسسة قدرتها على تمثيل الفلسطينيين والدفع نحو حقوقهم الوطنية، وإصلاح يجعلها أكثر ملاءمة لإدارة واقع لا تستطيع تغييره. الأول يعيد السياسة إلى السلطة، والثاني ينزعها منها باسم تطويرها.

وهنا ينتقل جوهر القضية من الدولة إلى الحكم، ومن السيادة إلى الإدارة. تصبح الحوكمة والأمن والخدمات وإعادة الإعمار والاستثمار عناوين مركزية، بينما تتراجع الأرض والحدود والقرار السياسي إلى مرتبة القضايا المؤجلة. وهذه وظائف ضرورية لأي سلطة، لكنها تصبح مختلفة تماما عندما تتحول من أدوات لبناء الدولة إلى بديل عنها. عندها لا يعود تأجيل السيادة مرحلة في طريق الدولة، بل قد يصبح التأجيل نفسه هو النظام.

وقد تكون غزة المختبر الأول لهذا التحول. ترتيبات انتقالية، إدارة تكنوقراطية، أدوار عربية ودولية، إعادة إعمار وأمن، وربما عودة السلطة بصيغة مختلفة؛ كل عنصر يمكن تبريره منفردا، لكن اجتماعها قد ينتج واقعا تصبح فيه غزة محكومة بترتيبات مختلفة عن الضفة، فيما يعاد تعريف موقع منظمة التحرير، وتتوزع القوى الفلسطينية بين مسارات متعددة للشرعية والتمثيل. الخطر هنا ليس مجرد استمرار الانقسام، بل أن يتحول الانقسام من حالة مؤقتة إلى بنية سياسية مستقرة، لكل جزء فيها وظائفه وترتيباته ومرجعياته.

وهنا تظهر المفارقة التي قد لا تنتبه إليها القوى الفلسطينية المتنافسة على الشرعية. فقد ترى قوة في تراجع منظمة التحرير فرصة لإنهاء احتكار التمثيل، وترى أخرى في الانتخابات وسيلة لإعادة تشكيل النظام، وترى ثالثة في ترتيبات غزة فرصة لاستعادة حضورها، بينما ترى قوى أخرى في الانفتاح الإقليمي والدولي مدخلا إلى الاعتراف والمشاركة. وكل هذه المطالب قد تكون مفهومة من زاوية أصحابها، لكن السياسة لا تقاس بالنوايا وحدها، بل بالنتائج التي تنتجها تحركات الأطراف عندما تتقاطع مع مصالح وقواعد يضعها الآخرون.

قد تسعى قوة إلى إضعاف منافسها، فتلتقي النتيجة مع إضعاف المرجعية الوطنية الجامعة. وقد تطالب أخرى بتعددية أوسع، فيتحول التعدد إلى تعدد مراكز للشرعية. وقد تدخل ثالثة ترتيبا إقليميا بحثا عن الاعتراف، فتجد نفسها تعمل داخل قواعد لم تشارك في وضعها. وقد تفتح الانتخابات الباب أمام قوى جديدة، لكنها إذا جرت داخل جغرافيا منفصلة ومرجعيات متباعدة فقد تنتج شرعيات متوازية بدلا من أن تنتج شرعية وطنية واحدة.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)