f 𝕏 W
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ 'الملك الحكيم' أحلام الاستعمار شعراً وموسيقى؟

جريدة القدس

فنون منذ 25 دق 0 12 د قراءة
زيارة المصدر ←

سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ 'الملك الحكيم' أحلام الاستعمار شعراً وموسيقى؟

أغنية من فنون العصور الوسطى، نسمعها اليوم فتجعل التاريخ البعيد يبدو قريباً، وتصل الحاضر الآني بالماضي السحيق، تختصر الزمن وتلغي المسافات الطويلة بين القرون، فيكون الالتفات نحو العصور الغابرة أشبه بإلقاء نظرة على الأمس القريب. دقائق من الموسيقى والغناء تحمل إلينا جزءاً من تاريخ هائل، وصراعات ومعارك سياسية ودينية وثقافية، تدافعت فيها الحضارات والأمم أشد تدافع، بل وتحمل إلينا أيضاً خططاً مستقبلية وآمالاً وأحلاماً استعمارية. إنها أغنية لم يبدعها فنان هائم في دنيا الفن والجمال، وإنما أبدعها ملك عظيم، حكم الممالك وقاد الجيوش، وأدار الحروب ورسم السياسات، ألف شعرها ووضع موسيقاها لأهداف استراتيجية واضحة تسبق أهدافها الفنية الجمالية، فهو وإن مسته روح الفن وغمر الجمال نفسه وملأ الخيال وجدانه، كان ملكاً أولاً وأخيراً يسعى للحفاظ على ممالكه وزيادة توسعها، وتحرير المحتل منها واسترداده. فن الملك الحكيم هذه الأغنية هي الكانتيغا رقم 169 من كانتيغاس دي سانتا ماريا، تلك الترانيم أو الأناشيد التي ألفها ألفونسو العاشر ملك قشتالة وليون وغاليسيا وغيرها من الممالك، الذي كان يلقب بالملك الحكيم، نظراً لإسهاماته في مجالات القانون والعلوم والفلك، بالإضافة إلى الشعر والتاريخ وسائر الفنون، وكذلك لما أقامه من نهضة فكرية كبرى في عصره، اعتماداً على حركة ترجمة واسعة للنصوص العربية، وكتب العلوم والمعارف والآداب الإسلامية. تعد كانتيغاس دي سانتا ماريا فناً قائماً بذاته من فنون العصور الوسطى، يحتوي على الشعر والموسيقى والغناء والرسم، نشأ هذا الفن في القرن الثالث عشر الميلادي داخل بلاط ألفونسو العاشر، ويقوم بشكل أساسي على الطابع الديني. فالكانتيغاس عبارة عن مجموعة من الترانيم أو الأناشيد، التي تمجد السيدة العذراء، وتروي معجزاتها وتجلياتها، وتطلب المزيد من بركتها وشفاعتها. لكن داخل هذا القالب الديني توجد السياسة بقوة، بل تطغى أحياناًعلى نحو هائل، إلى درجة تجعل الدين يدور في فلك السياسة، ويخدم أطماعها ومصالحها. تضم مجموعة كانتيغاس دي سانتا ماريا ما يقرب من 420 قصيدة ومدونات موسيقية، ولوحات ورسومات خاصة بكل قصيدة من القصائد، تصور ما يرتبط بها من وقائع وأحداث، وأماكن وشخصيات، وعازفين وآلات موسيقية قديمة كانت تستخدم في عزف الكانتيغاس. المجموعة محفوظة حالياً في مكتبة الإسكوريال الإسبانية، إحدى أهم وأضخم المكتبات في العالم، التي تأسست في القرن السادس عشر ضمن مجمع دير القديس لورنزو دي الإسكوريال، وتضم ثروات كبرى من كنوز التراث والحضارة الإنسانية. تم تأليف قصائد كانتيغاس دي سانتا ماريا باللغة الغاليكية البرتغالية القديمة، التي كانت لغة الشعر والغناء في الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية في ذلك الزمن، وكان الملك ألفونسو العاشر يجيد تلك اللغة. لا تزال الكانتيغاس تغنى وتعزف حتى يومنا هذا، نستطيع أن نستمع إليها بلغتها الأصلية وتدوينها الموسيقي القديم، من خلال الفرق الفنية المختلفة المتخصصة في مثل هذه الأنواع من الفنون، كما نستطيع أن نقرأ ترجمة تلك القصائد إلى اللغة الإنكليزية، وعند سماع اللغة القديمة ذاتها نجد أنها ليست مستغلقة تماماً، حيث يمكن للأذن أن تلتقط بعض الكلمات ذات التشابه مع اللغات الأخرى ومن بينها اللغة العربية، وتمييز الاشتقاقات اللغوية، بالإضافة إلى أسماء البلدان والمدن والشخصيات التاريخية.

عند العودة إلى كانتيغاس دي سانتا ماريا، ينكشف المزيد من الحضور المغربي في فنون العصور الوسطى في أوروبا، وتأثيره الثقافي والحضاري، الذي لم يقتصر على الأندلس، وامتد إلى الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية. ففي زمن تدوين الكانتيغاس خلال القرن الثالث عشر الميلادي، وكان ذلك قبل سقوط الأندلس بقرنين من الزمان، كان المغرب قوياً منتصراً بحضارته الإسلامية، سابقاً بثقافته وفنونه وعلومه، وكانت الممالك المسيحية في البرتغال وإسبانيا وغيرهما من المناطق الأوروبية، في موقع المنهزم سياسياً والمتأخر حضارياً، لذا كانت تلك الممالك المسيحية تتطلع إلى الانتصار السياسي والتغلب على الخصم من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت تتبع ذلك الخصم وتستلهم منه كل ما يمكنها من صناعة حضارتها الخاصة وتطويرها. وكان ألفونسو العاشر مثالاً واضحاً على ذلك، فرغم ما كان يجري بينه وبين المغرب من حروب ومعارك وكر وفر، كان التبادل التجاري قائماً، وكان التأثر الثقافي جلياً واضحاً، فنجد أن ألفونسو العاشر أقام فنه الهائل وذلك الأثر الجليل الذي تركه للبشرية «كانتيغاس دي سانتا ماريا» على استلهام بعض فنون المغرب، فألف القصائد على غرار الزجل المغربي الذي كان مزدهراً في العصر المريني في القرن الثالث عشر، واعتمد على الإيقاع المرن والقوافي البسيطة، وأضاف اللازمة التي تتكرر بالفكرة والكلمات ذاتها بين كل مقطع وآخر من مقاطع القصيدة، وتختلف في لحنها عن لحن بقية المقاطع، كما استحضر الآلات الموسيقية التي كانت سائدة في المغرب كالرباب والدف مثلاً، والإيقاعات المغربية وأسلوب الغناء الجماعي خصوصاً في الغناء الديني في المغرب. في قلب كانتيغاس دي سانتا ماريا، التي هي أناشيد للسيدة العذراء ترتبط بواقع زمانها وتعكس ظروفه السياسية، نجد المغرب حاضراً باسمه، وأسماء العديد من الأماكن والمدن التي لا تزال موجودة حتى اليوم بالأسماء ذاتها في المملكة المغربية، مثل مراكش وطنجة وسوس وأصيلة وأم الربيع، والعديد من الأماكن الأخرى. كما نجد أسماء الشخصيات التاريخية المعروفة كالقادة والسلاطين الذين حكموا المغرب في فترات مختلفة، كالسلطان أبو حفص عمر المرتضى من الموحدين، والسلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق من المرينيين وغيرهما.

وفي رسومات الكانتيغاس نجد توثيقاً تاريخياً مهماً للملابس التقليدية المغربية، كبعض أنواع القفطان على سبيل المثال، الرجالي منه على وجه الخصوص الذي كان يرتديه الأمراء والسلاطين، كتلك اللوحة التي نرى فيها السلطان الموحدي أبو حفص عمر المرتضى، يرتدي قفطاناً مغربياً مطرزاً بالسفيفة، وإلى جانبه بعض رجاله بالإضافة إلى سفراء من قشتالة. وفي الكانتيغاس دائماً ما نستمع إلى كلمة «المور» التي تشير إلى أهل المغرب، ومنها جاء اسم المغرب باللغة الإنكليزية Morocco، والعديد من الاشتقاقات المشابهة في اللغات الأخرى. ولا نكاد نجد في تلك القصائد ذكراً لكلمة عربي أو عرب، بينما وردت كلمة «مسلم» ثلاث مرات فقط حسبما نعلم، وقد يرجع ذلك إلى أن كلمة مور تشير إلى أهل المغرب المسلمين، فلم يكن هناك حاجة إلى ذكر كلمة مسلم، كما أنه كانت هناك كلمات وتعبيرات أخرى تشير إلى الإسلام بشكل رمزي. اتخذت الكانتيغاس من المور موضوعاً للعديد من قصائدها، مثل «الموري الذي قدس صورة العذراء»، «السجين الذي فر من المور»، «الأسير في مايوركا الذي هرب من المور»، «المسيحيون والمور جنباً إلى جنب»، وغيرها من القصائد. وعندما نستمع إلى تلك القصائد في سياقها الزمني والديني والسياسي، نجد أن الموري هو العدو المهدد للوجود، والخصم القوي المتفوق حضارياً، الذي هيمن على أجزاء كاملة من أوروبا وأقام فيها حضارة إسلامية، فمن الطبيعي أن يظهر هذا الانشغال الكبير به وأن تتجلى كثافة حضوره. ومن المثير دائماً تتبع الأسلوب الذي يتم به ذكر المور وتناولهم، والغالب أنه لا يوجد مدح أو تمجيد لهم، أو إظهار الانسحاق أمام ثقافتهم، لكن في الوقت نفسه لا يوجد إعلان كبيراً عن الكراهية، هناك التعبير عن العداء والتوعد والتهديد بطبيعة الحال، والسعي إلى تحقيق الانتصار، والتشبث بالهوية والدين، والتركيز على تأكيد الأفضلية الدينية، وإثبات فضل الدين المسيحي والسيدة العذراء على المسلمين، ويمكن القول إن الكانتيغاس بشكل عام كانت تتطلع إلى المغرب كخصم قوي، وتحذر من المور وحضارتهم، التي تهدد الهوية، وجيوشهم التي تهدد الأرض. ومن الجدير بالذكر أن ألفونسو العاشر أعد تلك الأناشيد للغناء، من أجل أن تتردد على ألسنة الشعب، وأراد من خلالها أن يخاطب الجميع داخل البلاط والكنيسة وخارجهما، وكان يستهدف المخيلة العامة والعاطفة الدينية والوطنية بشكل كبير ومباشر، من خلال الأسلوب الذي يعتمد على السرد الغنائي والموسيقي المشوق، والتركيز على معجزات السيدة العذراء التي تشعل روح الإيمان في النفوس، وتذكي العاطفة الدينية، بينما يتداخل كل ذلك مع السياسة بشكل عميق، فهذا الملك لم يكن يؤلف كانتيغاس دي سانتا ماريا من أجل اللهو أو المتعة الفنية الخالصة، بل كان ينفذ مشروعاً سياسياً دينياً ثقافياً هائلاً، ويوثق من خلاله تاريخاً بالغ الأهمية.

في الكانتيغا رقم 169 يحلم الملك ألفونسو العاشر باحتلال مدينة سبتة المغربية، ويعبر عن ذلك بوضوح في نهاية القصيدة، ويأمل في تحقيق ذلك الحلم بعون من السيدة العذراء، وقد تحقق هذا الحلم بكل أسف، لكن ليس على يد ألفونسو العاشر، وإنما بعد تاريخ تدوين تلك الكانتيغا بنحو قرن ونصف من الزمان، بواسطة البرتغاليون الذين احتلوها لقرون، ثم سلموها لاحتلال آخر هو الاحتلال الإسباني، من خلال إحدى المعاهدات والاتفاقيات. ولا تزال سبتة حتى اليوم أرضاً مغربية محتلة، وقد طال احتلالها وامتدت غربتها عن الوطن، وهي بلا شك بقعة غالية على أصحابها كسائر البقاع المغربية، وجزء من جسد الوطن المغربي الذي لن يلتئم إلا باسترداد أراضيه كافة. تجري القصيدة على لسان ألفونسو العاشر، الذي يتحدث ويروي لنا ما جرى، ويسرد التاريخ على أسماعنا شعراً. يبدأ قصيدته باللازمة التي ستتكرر كثيراً في ما بعد بين كل مقطع وآخر، وهي لازمة قصيرة تمجد العذراء الأم والابنة صاحبة الخلاص. ثم يحكي لنا عن معجزة عظيمة من معجزات العذراء كان شاهداً عليها بنفسه، ومكان الحكاية والمعجزة مدينة «مرسية»، التي كانت أول أرض استردها ألفونسو العاشر من المور المسلمين، لكنه لا يقول إنه حرر مرسية، وإنما يقول «وهبني الله مرسية»، ويشير إلى سيطرة المور على تلك المدينة من قبل، ويقول إن ذلك لم يحدث إلا بسبب خطايا المسيحيين. يتحدد المكان بعد ذلك بشكل أكثر دقة، فننتقل إلى كنيسة أريشاكا في مرسية، التي تآمر المور من أجل هدمها لكنهم لم يتمكنوا من ذلك أبداً، تلك الكنيسة التابعة للملكة التي لا نظير لها أي السيدة مريم العذراء، والتي كان يقصدها المسيحيون من كل مكان حتى قبل الفتح المسيحي لمرسية، ويتوافد عليها الأوروبيون من جنوة وبيزا وصقلية، ومن كان يصلي بإخلاص في تلك الكنيسة كانت دعواته تستجاب وتلبى مطالبه، وكانت العذراء تحميهم من الأذى وتحرسهم من الشر. ولم يكن للمسلمين قدرة على المساس بالكنيسة، رغم أنها كانت تحت سيطرتهم، وهنا يشير إلى المحاولة الأولى للهدم في زمن الوجود الإسلامي.

أما المحاولة الثانية فكانت عندما ذهبت الطائفة المسلمة إلى الدون جايمي ملك أراغون بعد قمع ثورة المدجنين، التي امتدت من مرسية إلى إشبيلية، وتحويل المسجد الجامع في مرسية إلى كاتدرائية، لكي تطلب منه هدم كنيسة أريشاكا، ورغم أنه وافق مبدئياً على الطلب، لم يستطيعوا أن يمسوا الكنيسة بأي سوء. في هذا المقطع نستمع إلى اسم أول الشخصيات التاريخية المذكورة في الكانتيغا وهو الدون جايمي، وينطق اسمه بالجيم وليس بالخاء. كما تلتقط الأذن كلمة عربية هي كلمة «الجماعة» وتُنطق في الكانتيغا كما ينطقها اللسان العربي بحرف الجيم المعطشة، لكن بلكنة أجنبية بطبيعة الحال، والجماعة هنا تشير إلى ممثلي الطائفة المسلمة التي ذهبت إلى الدون جايمي ملك أراغون. بعد ذلك ينتقل بنا ألفونسو العاشر إلى المحاولة الثالثة، عندما ذهب هو إلى مرسية وطلبت منه الجماعة أن يزيل الكنيسة من بينهم، وكانت قد رممت للتو، وتم تجديدها بأجمل الألوان والزخارف، وافق ألفونسو على مضض، ربما في إطار صفقة سياسية ما، لكن عندما اجتمع الملك المسلم ملك غرناطة مع الجماعة، وطلبوا منه هدم الكنيسة، رفض الملك المسلم وقال إن من تُبغضه السيدة العذراء لن يكون في مأمن من الشر. في المقطع التالي من القصيدة الذي يروي لنا ألفونسو العاشر ملابسات المحاولة الثالثة لهدم الكنيسة، وهنا يذكر اسم سلطان المغرب أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، ويذكر كذلك اسم مدينة «سلا» المغربية، حيث انطلق أبو يوسف من مدينة سلا بجيش كبير نحو مدينة مرسية، بهدف السيطرة عليها وإعادتها إلى الحكم الإسلامي. ويقول ألفونسو العاشر إن السلطان المغربي كان قد أعد خطة عسكرية محكمة، لكن السيدة العذراء أبطلت تلك الخطة ودمرتها، وأخرجت الغزاة من مرسية وأريشاكا وأنقذت الكنيسة منهم مجدداً، لأن من تُبغضهم العذراء تنفيهم وتطردهم إلى الأبد.

في هذا المقطع يقول ألفونسو العاشر عن سلطان المغرب «أبو يوسف سيد سلا»، ربما لأنه اعتاد الانطلاق من مدينة سلا بجيوشه الغفيرة نحو الممالك المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية، كما نتوقف هنا في هذا المقطع أمام تعبير استخدمه ألفونسو العاشر، ربما يكون مأخوذاً عن الدارجة المغربية، وهو تعبير «بالفن» الشائع على لسان أهل المغرب، عندما قال إن السلطان المغربي أراد الاستيلاء على مرسية بالفن. وفي المقطع الختامي للقصيدة يقول ألفونسو العاشر، إن كنيسة أريشاكا أو الريشاقة أصبحت حرة إلى الأبد، ولن يكون لمحمد أي سلطة عليها أبداً، لكننا لا نستمع في هذا المقطع إلى اسم محمد كما ينطق في اللغة العربية، وإنما نستمع إليه ينطق «مافوميتي»، وفق النطق الذي كان شائعاً في تلك اللغة في ذلك الزمن القديم، والمقصود باسم محمد هنا ليس الرسول الكريم بشخصه، وإنما يذكر الاسم كرمز للإسلام والمسلمين. وفي النهاية يقول ألفونسو العاشر، إنه كما حررت السيدة العذراء مدينة مرسية وأنقذت كنيسة أريشاكا، فسوف تحرر إسبانيا كلها في المستقبل من المور، لكن الملك الحكيم لا تتوقف آماله عند استرداد الأراضي الإسبانية، أو أراضي شبه الجزيرة الإيبيرية وهو المعنى الأدق هنا، ويحلم باستعمار مدينة أصيلة وكذلك مدينة سبتة، ويمضي في أحلامه التي تتسع حتى يحلم باحتلال المغرب بأكمله، للقضاء على ذلك التهديد العسكري والسياسي والديني والثقافي المقبل من الجنوب، وليدفع المغرب ثمن وجود الأندلس في يوم من الأيام على أرض أوروبية مسيحية. وبعد تقلب الدهر وتبدل القرون ومرور الزمن، لم تنس أوروبا إلى اليوم ذلك الأندلس، وظل المغرب بحكم موقعه الجغرافي والاستراتيجي، وقربه الشديد من أوروبا يحمل تلك الذكرى في مواجهة الغرب، ولا تزال مدينة سبتة المغربية تعاني من احتلال قد يكون هو الاحتلال الأطول في أوطاننا العربية. من المثير أن نعرف أن ألفونسو العاشر المدفون في كاتدرائية إشبيلية بجوار والده فرناندو الثالث، قد دُفن قلبه بشكل منفصل في كنيسة أريشاكا كما أوصى، وظل القلب مدفوناً هناك إلى أن تم نقله في عصور لاحقة إلى كاتدرائية مرسية. وهذا يدلنا على مكانة مدينة مرسية عند ألفونسو العاشر، وتحديداً كنيسة أريشاكا، التي روى حكايتها وألف من وحيها تلك الكانتيغا الرائعة، كما أن كاتدرائية مرسية التي استقر فيها القلب أخيراً، تم ذكرها أيضاً في هذه الكانتيغا، فهي الكاتدرائية التي بنيت على أنقاض المسجد الجامع، أو المسجد الذي تم تحويله إلى كاتدرائية. هذه الكانتيغا أو الأغنية لها سحرها وجمالها، بأسلوب الغناء وتنغيم الصوت، ولحن الموسيقى وانتظام الإيقاع واهتزازات الأوتار، ولها أيضاً خطرها القديم وألوانها القاتمة، فنحن أمام مادة فنية عميقة حضارياً متشعبة تاريخياً، متداخلة دينياً وسياسياً، وخلف ذلك الفن الرائع، تكمن خطط السياسة وأسراب الجيوش، والتاريخ السياسي المضطرم الذي لا تزال آثاره قائمة.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)