تستعد بلدة قانا الجليل (كفركنا) داخل أراضي الـ48 لتكريم ذكرى الراهبة والطبيبة الإيطالية جوفينا ميسي، تقديراً لمسيرتها الإنسانية الطويلة التي امتدت لأربعين عاماً في خدمة المجتمع المحلي. ويخطط المجلس المحلي لتسمية إحدى المؤسسات العامة باسمها، تخليداً لعطائها الذي بدأ منذ وصولها إلى فلسطين عام 1928 واستقرارها في دير راهبات الفرنسيسكان بالبلدة عام 1938، حيث وهبت حياتها للعمل الطبي والتربوي حتى رحيلها في أواخر السبعينيات.
وتحفل ذاكرة أهالي كفركنا بقصص بطولية للطبيبة الراحلة، حيث تؤكد شهادات محلية أنها لعبت دوراً بارزاً في معالجة جرحى الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1938 و1940 بعيداً عن أعين سلطات الانتداب البريطاني. كما يُنقل عن كبار السن في البلدة أنها كانت تتسلل ليلاً حاملة قنديلها لتطبيب الشبان الذين تعرضوا للتنكيل من قبل الجنود البريطانيين، مقدمة لهم العلاج والدواء مجاناً في بيوتهم دون خوف من الملاحقة.
ومن أكثر القصص إثارة في مسيرة ميسي هي واقعة إنقاذ الحاجة وردة حبيب الله أمارة عام 1956، والتي أعلن المستشفى وفاتها رسمياً خلال العدوان الثلاثي على مصر. وتروي عائلة الحاجة وردة كيف أن الرجال حفروا القبر وأحضروا التابوت، إلا أن تدخل الراهبة جوفينا في اللحظات الأخيرة كشف أن السيدة لا تزال على قيد الحياة، حيث قامت بحقنها بالأمصال والمضادات الحيوية ومتابعة حالتها لثلاثة أيام حتى استعادت وعيها بالكامل.
هذه الحادثة الفريدة منحت الحاجة وردة، الملقبة بـ 'أم فخري'، حياة جديدة استمرت لأكثر من نصف قرن بعد إعلان وفاتها الأول، حيث عاشت حتى بلغت 103 سنوات وتوفيت في عام 2009. وقد تحول يوم نجاتها إلى عيد للعائلة التي احتفلت بمئويتها وبمرور خمسين عاماً على عودتها من حافة القبر، في قصة تداخلت فيها العجائب الطبية بروح التضحية التي جسدتها الطبيبة الإيطالية.
رحلت الراهبة جوفينا ميسي في أغسطس 1978 بعد صراع مع المرض في مستشفى حيفا، تاركة وراءها إرثاً من المحبة والتقدير العابر للأديان، حيث أقيمت الصلوات من أجل شفائها في المساجد والكنائس على حد سواء. واليوم، يسعى أهالي كفركنا من خلال هذا التكريم الرسمي إلى رد الجميل لطبيبة لم تكتفِ بتقديم العلاج السريري، بل كانت جزءاً أصيلاً من نسيجهم الاجتماعي ونضالهم الإنساني في أصعب الظروف التاريخية.
التعليقات (0)