f 𝕏 W
حين ينسج الثعلب روايته حول مكر الدجاج

راية اف ام

سياسة منذ يوم 1 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين ينسج الثعلب روايته حول مكر الدجاج

يقال: تُصبح كل الدجاجات ماكرة إذا كان الراوي ثعلبًا. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد مفارقة ساخرة، لكنها تفضي إلى سؤال يتجاوز الحكاية نفسها: ماذا يحدث حين يكون الراوي هو الطرف الذي يملك القدرة على تحديد أبطال الحكاية وأدوارهم ومكان وقوعها، ثم يكرر روايته حتى تتحول مع الزمن إلى حقيقة تبدو وكأنها لا تحتاج إلى مراجعة؟ في القضية الفلسطينية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا؛ لأن الرواية لم تكتفِ بوصف الصراع، بل أسهمت في تشكيل صورته، وفي تحديد من هو صاحب الأرض، ومن هو الدخيل، ومن هو الضحية، ومن هو الإرهابي

يقال: تُصبح كل الدجاجات ماكرة إذا كان الراوي ثعلبًا. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد مفارقة ساخرة، لكنها تفضي إلى سؤال يتجاوز الحكاية نفسها: ماذا يحدث حين يكون الراوي هو الطرف الذي يملك القدرة على تحديد أبطال الحكاية وأدوارهم ومكان وقوعها، ثم يكرر روايته حتى تتحول مع الزمن إلى حقيقة تبدو وكأنها لا تحتاج إلى مراجعة؟ في القضية الفلسطينية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا؛ لأن الرواية لم تكتفِ بوصف الصراع، بل أسهمت في تشكيل صورته، وفي تحديد من هو صاحب الأرض، ومن هو الدخيل، ومن هو الضحية، ومن هو الإرهابي.

القضية الفلسطينية لم تبدأ رواية الثعلب حولها مع بن غفير أو سموتريتش، وإن كانا من أكثر الأصوات صخبًا حولها اليوم، فقد سبقتهما رواية أقدم تشكلت في سياقات استعمارية، ثم تبنتها الحركة الصهيونية وطورتها، ولم تكتفِ بإعادة تعريف الإنسان والأرض، بل أعادت أيضًا قراءة النصوص القديمة، وتحديد جغرافيتها، وإسقاط أسمائها على خريطة بعينها، خريطة تنسجم مع رؤية الاستعمار، ومع تكرار هذا الإسقاط، أخذت الخريطة تكتسب صفة النص، حتى بدا ما هو تفسير وكأنه جزء أصيل منه، وأصبح السؤال عن جغرافيا أخرى خروجًا عن المألوف، وحين تتردد الرواية اليوم على ألسنة رموز متطرفة، يصبح الفلسطيني في الخطاب الاستعماري إرهابيًا بحكم الرواية.

هذا التشابك بين الرواية السياسية والجغرافيا المفترضة والمغرضة يقودنا إلى سؤال جوهري: ماذا لو بدأنا من السؤال لا من الإجابة؟ ماذا لو لم نفترض أن الجغرافيا التي نعرفها اليوم هي بالضرورة الجغرافيا التي كانت في ذهن كاتب النص؟ وهل كانت الأسماء والجبال والأودية ومسارات الحركة قد قُرئت من خلال خريطة ترسخت في الوعي قبل أن تُقرأ هي نفسها؟ عندها يصبح من حقنا أن نعيد القراءة من النص إلى المكان، لا من الخريطة إلى النص؛ من لغته وأسمائه ووصفه للطبيعة وحركة الأشخاص بين الأماكن، ثم نبحث عن الجغرافيا التي تنسجم مع هذه العناصر.

ولعل فلسطين نفسها تقدم مدخلًا حيًا إلى هذا السؤال؛ فهذه الأرض ليست صفحة بيضاء بدأت حكيتها مع الروايات السياسية الحديثة، بل تحتفظ طبقاتها بذاكرة إنسانية عميقة. ففي أريحا، مدينة القمر، تشير الآثار إلى استقرار بشري يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام، بما يجعل وجود الإنسان في هذه الأرض سابقًا بآلاف السنين على كثير من الروايات التي جاءت لاحقًا لتعيد تعريف المكان وسكانه، وبغض النظر عن الأسماء التي حملتها الجماعات والسلالات والدول التي تعاقبت على الأرض، فإنها لم تكن أرضًا بلا شعب ولا أرضًا بلا تاريخ؛ كانت أرضًا عاش فيها الإنسان ولا يزال، واستقر وبنى، وبقيت بصماته شاهدًا حيًا.

إن غنى هذا التاريخ الإنساني وعمقه يفتحان الباب على سؤال آخر: إذا كانت الأرض تحمل هذا القدر من الذاكرة، فكيف جرى تحديد المواقع الواردة في النصوص القديمة؟ من قرر أن هذا الجبل هو ذاك الجبل، وأن هذا الوادي هو ذاك الوادي، وأن هذه المدينة هي المدينة المقصودة؟ وهل جاءت هذه المطابقات من النص نفسه، أم أن تراكم التفسير جعلها تبدو مع الوقت وكأنها جزء من النص لا يحتاج إلى مراجعة؟ هنا لا يتعلق الأمر باسم منفرد، بل بمنهج كامل في قراءة النص وتحديد المكان الذي تتحرك فيه شخصياته وأحداثه.

فالجغرافيا ليست مجرد أسماء صماء على الخريطة؛ حين يُنسب اسم قديم إلى مكان معين، ثم تُبنى حوله مسارات الهجرة والحروب والاستقرار والحدود، يصبح المكان جزءًا من الرواية التاريخية نفسها. وإذا تغير المكان، تغيرت معه شبكة من العلاقات التي بُنيت فوقه. لذلك فإن إعادة فحص الجغرافيا ليست هامشًا على قراءة النص، بل هي سؤال في صميم الرواية: هل فهمنا النص من داخله، أم من خلال خريطة استقرت في أذهاننا أولًا ثم أصبحنا نقرأ النص من خلالها؟

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)