لا مفر من البدء بالحقيقة المجردة التي يتهرب الكثيرون من مواجهتها : التقاعد ليس مجرد إجراء وظيفي أو مرحلة عمرية ، بل هو "حتف" مهني حتمي ينتظر الجميع ، مهما علا شأن المسؤول ، ومهما رتع في المسميات البراقة ، وتمتع بالمواقع والموازنات والامتيازات . فالدولاب يدور ، والمناصب لا تدوم ، وفي نهاية المطاف ، سيعود الجميع _ مدنيين وعسكريين _ إلى ذات المربع ، ليخلعوا عباءة " المنصب " ويواجهوا الواقع المعيشي كما هو ، بلا رتوش أو حصانة وظيفية . حين نتحدث عن ملف التقاعد المدني والعسكري في فلسطين ، فإننا نفتح جرحاً نازفاً يمس لقمة عيش آلاف العائلات . وبعيداً عن المزاودات السياسية أو إنكار الجهود ، فإن الحقيقة المرة تتلخص في أن واقع المتقاعد الفلسطيني اليوم يمر بأزمة مالية واقتصادية وترد معيشي غير مسبوق . هذا الواقع لم يعد خافياً على أحد ، فالرواتب التقاعدية المتآكلة بفعل التضخم ، وغلاء المعيشة الفاحش ، والتأخر في صرف المستحقات أو اقتطاع أجزاء منها بسبب الأزمات المالية المتعاقبة للحكومة ، كلها عوامل حولت حياة هؤلاء المناضلين والبناة إلى رحلة كفاح مريرة لتأمين لقمة العيش والتعليم والعلاج . إن من الإجحاف والإنكار ألا ننظر إلى المتقاعدين _ من معلمين ، وأطباء ، ومهندسين ، وضباط ، وجنود _ إلا كأرقام وأعباء على الموازنة العامة . المتقاعدون هم أوسمة عز وفخار شامخة على جبين هذا الوطن ؛ هم الذين أمضوا زهرات شبابهم وعقوداً من عمرهم في بناء مؤسسات الدولة تحت ظروف الاحتلال والحصار ، وحملوا على عاتقهم همّ الوطن والمواطن في أحلك الظروف وأصعب المنعطفات التاريخية . لذا ، فإن الرسالة القوية والواضحة التي يجب أن تصل إلى كل من يجلس اليوم خلف مكتبه ويدير الموازنات ويسن القوانين : تذكروا دائماً أنكم متقاعدو الغد . إن إصلاح منظومة التقاعد ، وضمان العيش الكريم للمتقاعد المدني والعسكري ، ليس منة أو إحساناً من أحد ، بل هو واجب وطني وأخلاقي وقانوني . الاستثمار في كرامة المتقاعد وحماية حقوقه المالية هو صمام أمان للمجتمع بأكمله ، ودليل على وفاء المنظومة لأبنائها . إن مواجهة الحقيقة المرة بشجاعة ، والاعتراف بخلل الواقع الاقتصادي والمعيشي للمتقاعدين ، هو الخطوة الأولى نحو الحل . يجب أن تتضافر الجهود لإنقاذ هذا القطاع ، ليس فقط من أجل من تقاعدوا بالأمس ، بل تحصيناً للمستقبل الذي يسير إليه الجميع بخطى حتمية وثابتة .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)