f 𝕏 W
سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (12): حين تصبح الطريق إلى البيت معركة

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (12): حين تصبح الطريق إلى البيت معركة

الإثنين 21 سبتمبر 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس

في كل صباح، أتحسس خزائن القلب قبل أن أفتح عيني تماماً. تمتد يدي إلى الهاتف، إلى مجموعة العائلة، كأنني أبحث عن نبضهم بين الكلمات: من وصل؟ من بقي في البيت؟ هل مر الليل بسلام؟ أقرأ الرسائل بعين، وأحصي الغائبين بالأخرى، وقلبي يرجف من احتمال أن تكون رسالة واحدة قد تأخرت أكثر مما ينبغي.في المغير، لا ينام الخوف تماماً. اعتداءات المستوطنين لا تتوقف، واقتحامات جيش الاحتلال تمتد على مدار الليل والنهار، ولهذا صرنا نتعب في الليل أكثر؛ لأن الليل، في هذه البلاد، لم يعد وقتا للنوم، بل وقتا للإصغاء: لصوت مركبة عسكرية، أو طرق على باب، أو خبر يصل متأخرا إلى الهاتف.قريتي قريبة مني إلى الحد الذي أكاد أتكئ على كتفها، وبعيدة إلى الحد الذي أشعر معه أحيانا أنها في جهة أخرى من العالم. المسافة بين رام الله والمغير ليست طريقا طويلة، لكن الاحتلال يستطيع أن يجعل الطريق القصير منفيا كاملا. حاجز شبه دائم عند المدخل يكفي ليحوّل القرية من مكان نصل إليه إلى مكان نحتاج إذنا غير مكتوب كي ندخله.في مرات كثيرة، أذهب إلى قريتي من رام الله، أقف مع زوجي وأبنائي أمام الحاجز ساعات، ننتظر أن يفتح الطريق، أو أن تنتهي رغبة الجندي في إبقائه مغلقا. وفي مرات أخرى نعود أدراجنا، محملين بذلك العجز الذي لا يشبه الهزيمة، لكنه يشبه أن ترى بيتك أمامك ولا تستطيع الوصول إليه. وحين ننجح في الدخول، لا نشعر تماما أننا وصلنا؛ إذ تبقى خشية أن يغلق المدخل في أية لحظة، وأن يصبح الطريق الذي دخلنا منه قبل قليل غير موجود بالنسبة إلينا.ربما هذه هي إحدى أكثر صور الاقتلاع قسوة: أن لا يُطلب منك الرحيل مباشرة، بل أن تُجعل الحياة نفسها شديدة الصعوبة إلى درجة يبدو معها البقاء امتحانا يوميا.الاقتلاع ليس أن يُنتزع الإنسان من بيته فقط، الاقتلاع أن يُحاصر في أرضه، أن تُغلق الطرق، وتُصادر الأرض، ويُلاحق الرزق، وتُرهق العائلة بالانتظار، ويصبح الوصول إلى المدرسة والعمل والمستشفى والبيت فعلا يحتاج إلى حسابات وخوف وتوقيت. أن يتحول المكان الذي تنتمي إليه وعشت فيه، إلى مكان عليك أن تقاتل كل يوم كي تظل قادرا على الوصول إليه.لكنهم لا يعرفون أن الأرض ليست ترابا فقط. الأرض أماكن صغيرة تحفظ أسماءنا: شجرة زيتون نعرفها من شكلها، طريق اعتدنا أن نسلكه، بيت تركنا فيه طفولتنا، مقعد يجلس عليه أبي، نافذة تطل على الجبل، وقبر نعرف أن أحبتنا سيبقون فيه حتى لو تغيرت كل الطرق من حولنا. الأرض ذاكرة حين تضيق الجغرافيا، وهوية حين يحاول الآخرون إعادة رسم الخريطة.لهذا، كلما ضاق الطريق، اتسعت علاقتنا بالأرض. وكلما حاولوا جعل الوصول إليها مستحيلا، صارت في القلب أقرب.قد يغلقون مدخلاً، لكنهم لا يستطيعون إغلاق الطريق الذي فتحته القرية في الذاكرة. قد يصادرون أرضا، لكنهم لا يستطيعون مصادرة اسمها من أفواه أهلها. وقد يهدمون بيتا، لكنهم لا يعرفون أن البيوت الحقيقية تسكن أصحابها قبل أن يسكنوها.هذه هي سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود؛ ما لا يظهر في سجل الحاجز حين يسجل الجندي أنه أغلق بوابة، ولا في تقرير حين يقال إن الطريق أُغلق، ولا في محضر حين يوثق اقتحاماً.لا يكتبون عن الأم التي بقيت مستيقظة تنتظر خبرا من ابنها. لا يكتبون عن أب يفتح هاتفه قبل أن يفتح نافذته. لا يكتبون عن أطفال حفظوا شكل الحاجز أكثر مما حفظوا شكل الطريق. لا يكتبون عن عائلة عادت من منتصف الطريق، وعن بيت ظل مضاء ينتظر أهله، وعن قرية كاملة تتعلم كل يوم كيف تعيش تحت احتمال أن يُغلق مدخلها.ولا يكتبون عن امرأة تجلس في رام الله، وتعرف أن قريتها قريبة جدا منها، لكنها تحتاج إلى إذن الطريق كي تصل إلى قلبها.أنا لا أخاف على المغير من أن تنسى طريقها إلينا؛ أخاف من أن يريد الاحتلال أن يجعلنا نعتاد ألا نسلكها. ولهذا نذهب. كلما فتحوا الطريق عبرناه. وكلما أغلقوه انتظرنا. وإذا عدنا، عدنا ونحن نعرف أننا لم نغادر قريتنا؛ نحن فقط أُجبرنا على تأجيل الوصول إليها.فالبقاء، هنا، ليس مجرد أن تبقى في بيتك. البقاء أن تظل قادرا على الوصول إلى بيتك، وأن تظل قادرا على قول: هذه قريتي، حتى حين يحاولون جعل الوصول إليها فعلاً مستحيلاً.

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (12): حين تصبح الطريق إلى البيت معركة

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)