الإثنين 21 سبتمبر 2026 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس
يبدو بأن الرئيس الأمريكي ترمب دخل مرحلة حاسمة في التعامل مع الحرب على إيران، عندما قال لموقع "أكسيوس" إن أمامه «قراراً كبيراً»: هل يذهب إلى سحق النظام الإيراني أم لا؟ لكنه ربط اتخاذ القرار بالتشاور مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الذين يلتقيهم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأمس الأحد جددت البعثات الدبلوماسية الأمريكية في إسرائيل ودول الشرق الأوسط تحذيرًا أمنيًا عامًا للمواطنين الأمريكيين في المنطقة، على خلفية التوتر الأمني المتصاعد والمخاوف من حدوث تصعيد سريع. وبحسب التحذير، فإن إيران والجماعات المدعومة منها، ومن بينها الحوثيون الذين نفذوا هجمات استهدفت مواقع في السعودية، قد تشكل خطرًا على المصالح والمنشآت الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه، بما في ذلك السفارات والمنشآت الدبلوماسية والشركات والمؤسسات الأمريكية.وهل هذا التهديد الأمريكي بالذهاب بالمعركة الحاسمة والنهائية، مجرد تهديد كالتهديدات السابقة، ومن أجل تحسين شروط التفاوض، والحصول على تذكرة تراجع عنها، من خلال القول بأن الحلفاء الخليجيين، ضغطوا عليه لعدم شن حربه الحاسمة، أم أنه حسم أمره بالذهاب نحو سحق النظام الإيراني، وباتت خيارته الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والحصار والتجويع غير مجدية وبلا قيمة أمام، محور صلب ومتماسك ولا يخضع للابتزاز والتهديدات الأمريكية. ورغم ان هذا الربط يفتح الباب أمام فرضيتين متعاكستين، تتقاطعان عند صفقة القنابل الضخمة التي قررت الإدارة الأميركية عرضها على الكونغرس تمهيداً لبيعها لإسرائيل. ولكن التصريحات التي صدرت اليوم الأحد عن الإدارة الأمريكية، والتي دعت فيه المواطنين في دولة الاحتلال والشرق الأوسط إلى تخزين الماء والطعام، تقول بأن ترمب ذاهب هذه المرة إلى معركة كسر عظم مع طهران ومحورها. ومن هنا نرى في استعداده لهذه الجولة العسكرية الجديدة، يريد تأمين شروطها السياسية والعملياتية. فدول الخليج تستضيف القواعد الأميركية، وتمثل أراضيها ومجالها الجوي وبنيتها التحتية النفطية الحلقة الأكثر تعرضاً للرد الإيراني. ولذلك يحتاج ترامب إلى معرفة حدود استعدادها للمشاركة أو تقديم التسهيلات، وإلى وضع ترتيبات لحمايتها. وتأتي صفقة القنابل لإسرائيل، التي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار وتشمل أربعين ألف قنبلة وذخيرة زنة الواحدة منها ألفا رطل، لتؤدي وظيفة مزدوجة: ضمان تعويض ما سوف تستهلكه إسرائيل، وتشجيعها على استخدام ما لديها من مخزون وهي واثقة بأن البديل الأميركي سيصل. فإعلان الصفقة، حتى لو كانت مواعيد التسليم بعيدة، يتحوّل إلى اعتماد تسليحي مسبق يمنح القيادة الإسرائيلية ثقة خوض جولة جديدة. لكن ماذا ينتظر ترمب أن يسمع من قادة الخليج عندما يعرض عليهم خطط ضرب إيران؟ عندما يتحدث عن قصف المطارات الإيرانية سوف يتذكرون مطاراتهم المعرّضة للرد، وعندما يتحدث عن استهداف منصات النفط والغاز سوف ينظرون إلى منشآتهم الممتدة على ضفتي الخليج، وعندما يتحدث عن تدمير الجسور والمرافئ سوف يتذكرون كيف انتهت المواجهة في اليمن إلى بحث واشنطن عن وقف النار لحماية قواتها، بينما تُرك الحلفاء أمام التداعيات. وقد سبق للسعودية وقطر أن اعترضتا في مطلع آب على استئناف العمليات الواسعة، خشية انتقال الرد الإيراني إلى منشآت النفط والغاز الخليجية. ولذلك لا يبدو مضمون التشاور طلب مباركة سياسية فحسب، بل البحث عن جواب عن سؤال لا تملك واشنطن جواباً مقنعاً عنه: كيف يمكن حماية الخليج من الرد؟ ويعرف ترمب أن خطة الممر العماني والانقلاب في اليمن صُممت لتفادي الحرب التي يستفتيهم حولها، وبعد الفشل لا بدّ من العودة للتسوية، كما حدث مع قبول مذكرة التفاهم في حزيران الماضي. يبدو بأن الفرضية التي تقول إن صفقة القنابل ليست مقدمة للحرب، تبدو حظوظها ضعيفة، وهي تفترض ان تلك الصفقة ضمانة إسرائيلية تسبق التسوية. فقد تكون واشنطن بصدد العودة إلى مذكرة التفاهم مع إيران أو إنتاج صيغة معدلة منها، لكنها تعرف أن إسرائيل لن تقبل وقف الحرب والعودة إلى مسار تفاوضي من دون مقابل يضمن بقاء تفوقها العسكري وقدرتها على استئناف الحرب. هنا تصبح القنابل تعويضاً مسبقاً عن قبول التسوية، ورسالة إلى حكومة الاحتلال بأن التفاهم مع إيران لن يسلبها خيار القوة مستقبلاً. ويصبح اجتماع ترامب مع قادة الخليج مناسبة لتأمين غطاء إقليمي للتسوية، وتحديد الضمانات المطلوبة لإعادة فتح هرمز ووقف استهداف المنشآت النفطية وخفض سعر البرميل قبل الانتخابات الأميركية. ولكن في سياق دعم فرضية ان ترمب ذاهب لمعركة كسر عظم مع ايران ومحورها في المنطقة، نتحدث عن سوابق أمريكية واضحة. ففي التحضير للحرب، أفرج ترمب في كانون الثاني 2025 عن شحنة القنابل زنة ألفي رطل التي جمدتها إدارة بايدن، ثم استخدم وزير الخارجية ماركو روبيو في آذار صلاحيات الطوارئ لتسريع مساعدات عسكرية لــإسرائيل بنحو أربعة مليار دولار، قبل حرب حزيران على إيران. وفي 30 كانون الثاني 2026، عشية حرب شباط، وافقت واشنطن على صفقة بقيمة 6.67 مليارات دولار، شملت ثلاثين مروحية أباتشي وآلاف المركبات والمعدات، بما وفّر ضمانة بتعويض ما سوف تستهلكه الحرب، ولو لم تكن الأسلحة قد وصلت بعد. في اليمن، انتقلت قوات «أنصار الله» من تحقيق الاختراق الكبير في المخا والساحل الغربي إلى تثبيت الإنجازات الجديدة. ولم تظهر خلال الأيام التالية قدرة جدية لدى القوات المناهضة لهم على شنّ هجوم معاكس يعيد رسم خطوط التماس ، تبدو النتيجة الميدانية ثابتة: «أنصار الله» نقلوا حضورهم من التهديد الصاروخي للملاحة إلى السيطرة المباشرة على الأرض المطلة على باب المندب. وتظهر أهمية التحول في ردود الفعل الخارجية. فقد طلبت السعودية من الصين التدخل لدى إيران للضغط على «أنصار الله» ووقف استهداف منشآت الطاقة السعودية، فيما دعت إيطاليا إلى إرسال مزيد من السفن لحماية الملاحة في البحر الأحمر. وهذه التحركات تقول إن ما جرى لم يعد مجرد تعديل في جبهة يمنية داخلية، بل تحول يمس أمن طريق السويس وباب المندب وإمدادات النفط. وبذلك صار تثبيت إنجاز المخا وذوباب والجزر المقابلة للمضيق ورقة حاضرة في أي تفاوض إيراني – خليجي أو أميركي – إيراني. وفي الولايات المتحدة، تحوّلت أزمة الديزل إلى عامل اقتصادي وانتخابي ضاغط. فقد بلغ متوسط السعر الأميركي 6.29 دولارات للغالون، بزيادة 68 في المئة عن العام الماضي، فيما اقترب سعر البنزين من 4.40 دولارات. وفي إسرائيل، يتقدم حزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت في استطلاع القناة الثانية عشرة بـ 25 مقعداً مقابل 21 لليكود. ويتألف معسكر آيزنكوت الصهيوني من: "يشار" بـ 25 مقعداً، وتحالف "بينيت" بـ 13، و"الديمقراطيين" بعشرة، و"إسرائيل بيتنا" بتسعة، أي 57 مقعداً. أما الأحزاب العربية فتحصل على 11 مقعداً خارج المعسكرين. والنقطة الأهم هي قائمة "هندل وزليخة" الجديدة التي بقيت في استطلاع القناة الثانية عشرة تحت نسبة الحسم، لكنها حصلت في استطلاع هيئة البث «كان» على أربعة مقاعد وصُنفت كتلة مستقلة. فإذا عبرت هذه القائمة العتبة وانضمت إلى معسكر آيزنكوت، يصبح مجموعها مع الـ 57 واحداً وستين مقعداً، أي أكثرية قادرة نظرياً على تشكيل الحكومة من دون أصوات الأحزاب العربية. وفي المقابل، تُحسب قائمة الجنرال عوفر فينتر مع معسكر نتنياهو، لا مع آيزنكوت. ولذلك تدور المعركة الفعلية حول الأصوات القريبة من نسبة الحسم، لا حول ترتيب الليكود و"يشار" وحدهما. قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذهاب للحرب على إيران في 28 شباط الماضي بالشراكة مع بنيامين نتنياهو، ورغم أن ساحة الحرب هي الخليج، لم يكلف نفسه عناء التشاور مع حكام دول الخليج، لكنّه هذه المرة يقول إنه يفكر بضربة شاملة لإيران ويرهن اتخاذ القرار بنتائج مشاوراته المرتقبة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فهل هذا يعني أنه ينتظر أن يسمع منهم ما يرجّح كفة القرار؟. وهل هو حسم خياره بالذهاب إلى معركة كسر عظم نهائية مع ايران، ولعل الجواب ربما يسبق مشاورته مع دول الخليج على هامش اجتماعات الجمعية العامة،فهو بات يرى في التحولات التي حصلت في اليمن،مضاف اليها السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، ليس خطر على القواعد والمنشأت الأمريكية في دول الخليج والمنطقة،بل الوجود الأمريكي والمصالح الأمريكية في كامل المنطقة معرض للخطر واخلاء منطقة جنوب غرب أسيا من الوجود الأمريكي،ولذلك لا يرى بأن المفاوضات والضغوط الإقتصادية والتهديدات العسكرية غير المقرونة بالفعل، قادرة على إحداث تغيير نوعي في أرض الواقع،وجلب ايران ومحورها إلى المفاوضات أو الرضوخ للشروط الأمريكية، وكذلك تراجع ثقة حلفاء امريكا في قدرتها على حمايتهم، تجعله يذهب إلى خياره ما يسميه بالحسم العسكري النهائي،ولا ننسى هنا بأن نتنياهو سيكون شريك مباشر في هذه الحرب، فهو يريد ان يهرب من أزمته الداخلية، وربما خسارة مستقبليه السياسي والشخصي في الانتخابات الإسرائيلية العامة في الـ27 من تشرين الثاني المقبل.
هل ترمب ذاهب إلى سحق النظام الإيراني؟
واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
التعليقات (0)