f 𝕏 W
ماذا فعلنا بسؤال الطالب؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

ماذا فعلنا بسؤال الطالب؟

الإثنين 21 سبتمبر 2026 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس

في بعض الصفوف لا يحتاج الطالب إلى منعه من الكلام كي يصمت. تكفي ضحكة خفيفه او نظرة ضيق او عبارة تحمل معنى الاستغراب من عدم فهمه. عندها يتعلم الطالب ان السؤال قد يكون اكثر كلفة من الجهل نفسه. يرفع احد الطلاب يده ثم يخفضها. ويكتب اخر سؤالا في هامش دفتره لكنه لا يطرحه. اما ثالث فيجيب عن سؤال المعلم حول الفهم بهزة رأس لا لانه فهم بل لان الاعتراف بعدم الفهم يبدو له اكثر احراجا من الصمت. نميل إلى تفسير هذا الصمت بالخجل او ضعف التحصيل او قلة التركيز. وقد تكون هذه العوامل حاضرة فعلا. لكن سؤالا اخر يستحق ان نطرحه. ماذا لو كانت بعض ردود افعالنا تجاه اسئلة الطلاب جزءا من المشكلة؟ ماذا لو لم يكن السؤال ساذجا بل كانت البيئة المحيطة به تجعل صاحبه يشعر بانه كذلك؟السؤال الذي يطرحه الطالب ليس طلبا للمعلومة فقط قد يكون محاولة للربط بين فكرتين او اعتراضا على تفسير او بحثا عن معنى لا يظهر في الكتاب مباشرة. وقد يكون الطريقة التي يعرف بها المعلم ما فهمه الطلاب وما بقي غامضا في اذهانهم. فالاجابة في ورقة الامتحان لا تكشف دائما حدود الفهم. وقد يحفظ بعض الطلاب العبارة الصحيحة من غير ان يمتلكوا القدرة على تفسيرها او استعمالها في موقف جديد. اما السؤال فيكشف حركة التفكير في بدايتها ويتيح للمعلم ان يرى موضع الالتباس قبل ان يتحول إلى فجوة يصعب علاجها.ومع ذلك يعامل السؤال في بعض الصفوف بوصفه تعطيلا للدرس او خروجا عن الموضوع او دليلا على ان الطالب لم ينتبه. وقد ينظر بعض المعلمين إلى السؤال المتكرر باعتباره اهمالا وإلى السؤال المختلف باعتباره تحديا وإلى السؤال البسيط باعتباره امرا لا يستحق وقت الحصة. لكن السؤال البسيط في نظر المعلم قد لا يكون بسيطا في ذهن الطالب الذي يحاول للمرة الاولى ان يفهم الفكرة. والسؤال المكرر بالنسبة إلى الصف قد يكون جديدا تماما بالنسبة إلى صاحبه. اما السؤال الذي يبدو خارج الموضوع فقد يكشف علاقة ذكية بين المعرفة المدرسية وتجربة الطالب اليومية.حين نضحك او نتنهد او نجيب الطالب بما يوحي انه تاخر عن زملائه فاننا لا نجيب عن سؤال واحد فقط. اننا نرسل رسالة إلى بقية الطلاب ايضا. بعض الاسئلة مسموح بها وبعضها من الافضل الاحتفاظ به. ولا يحتاج الامر إلى سخرية صريحة حتى يتعلم الطالب الصمت. قد تكفي مقاطعة مستعجلة او مقارنة بزميل او اظهار الضيق من تكرار الاستفسار. وقد لا يقصد المعلم الاهانة لكن الطالب قد يتلقى رد فعله على هذا النحو. وفي الصف لا تقاس الرسالة بما قصده المعلم وحده بل بما وصل إلى الطالب ايضا.ومع تكرار هذه الرسالة يتعلم الطلاب اخفاء فجواتهم المعرفية بدلا من سدها. يصبح الصمت وسيلة للنجاة الاجتماعية لا دليلا على الفهم. وقد يخرج الطالب من الحصة باجابة صحيحة في ورقة الامتحان لكنه يفتقد الجرأة على الاعتراف بما لا يعرفه. وهذه الجرأة شرط للتعلم الحقيقي وللتفكير النقدي ولتكوين شخصية قادرة على المراجعة والتطور. فكيف نطالب الطلاب بالتحليل والابداع ثم نجعلهم يشعرون بان السؤال ينتقص من قيمتهم؟ وكيف نطلب منهم ان يكونوا فضوليين من دون ان نوفر لهم بيئة امنة لممارسة الفضول؟ ان الطالب الذي يخشى السؤال قد يتجنب الخطا لكنه يتجنب معه المحاولة والمبادرة.ولعل لجوء بعض الطلاب إلى ادوات الذكاء الاصطناعي ومنها ChatGPT يكشف جانبا من المشكلة. فقد يجد الطالب في الاداة الرقمية مساحة لا يشعر فيها بالخجل او المقاطعة. يستطيع ان يعيد السؤال وان يطلب شرحا ابسط. غير ان سهولة السؤال امام الالة لا تعوض الحوار مع المعلم ولا تضمن دقة الاجابة. وقد تمنح الاداة جوابا يبدو مقنعا وهو ناقص او غير مناسب للسياق. لذلك فالقضية ليست ان يجد الطالب بديلا عن المعلم بل ان يشعر بالامان الكافي ليسال الانسان قبل الالة. التقنية قد تساعد على التعلم لكنها لا تبني وحدها الثقة ولا تعلم الطالب كيف يختبر الافكار ويتحمل مسؤولية فهمها.لكن تحميل المعلم وحده مسؤولية ضعف الحوار ليس عادلا. فالمعلم يعمل تحت ضغط كثافة الصفوف وضيق الوقت وتراكم المنهاج ومتطلبات الامتحانات وتفاوت مستويات الطلاب. وقد لا يحصل دائما على التدريب اللازم لادارة نقاش مفتوح. احيانا لا يتجاهل المعلم السؤال لانه لا يحترم صاحبه بل لانه لا يعرف كيف يديره في الوقت المتاح. لذلك فالمطلوب ليس ان يسمح لكل سؤال بايقاف الدرس بل ان يميز بين ادارة السؤال واسكات صاحبه. ويمكنه ان يطلب من الطالب تحديد الجزء الذي يحتاج إلى شرح اخر. ويمكنه ان يؤجل النقاش مع وعد واضح بالعودة اليه او يحوله إلى نشاط بحثي. المهم ان يشعر الطالب بان سؤاله لم يلغ وان المشكلة في التوقيت او الصياغة لا في حقه في السؤال.كما ان المعلم ليس مطالبا بامتلاك اجابة فورية عن كل شيء. يستطيع ان يقول انه لا يعرف الاجابة كاملة وان يبحث عنها مع طلابه. فالاعتراف بحدود المعرفة لا يقلل من هيبته بل يقدم درسا في الامانة الفكرية والبحث والتحقق. وحين يرى الطلاب معلما يراجع اجابته او يصححها يتعلمون ان المعرفة ليست ادعاء للكمال. ويحتاج الطلاب بدورهم إلى تعلم مهارات السؤال. عليهم ان يحددوا موضع عدم الفهم وان يميزوا بين طلب المعلومة وطلب التفسير وان يعيدوا صياغة السؤال عندما لا تكون الاجابة واضحة. فدور المعلم لا يقتصر على تقديم الاجابة بل يشمل مساعدة الطالب على بناء سؤاله.ولا بد من اعادة النظر في معنى المشاركة الصفية. فالصف الذي ترتفع فيه ايدي الطلاب ليس بالضرورة صفا ناجحا. كما ان الصف الذي لا يسال فيه احد ليس بالضرورة صفا متفوقا. قد يكون الصمت احيانا نتيجة لتعلم الطلاب ان عدم الكلام اكثر امانا. والصف الجيد هو الذي يستطيع فيه الطالب ان يقول انه لا يعرف ثم تتحول هذه الجملة إلى بداية للتعلم لا إلى وصمة. وهو الصف الذي يستطيع فيه ان يطلب اعادة الشرح او يختلف او يطرح سؤالا بسيطا من دون ان يشعر بان ذلك ينتقص من قيمته. وهذا يتطلب تغييرا في ثقافة الصف لا مجرد مطالبة المعلم بالصبر. يحتاج المعلم إلى تدريب على ادارة النقاش واستثمار الخطا. ويحتاج الطلاب إلى معرفة ان السؤال مهارة يمكن تعلمها. كما تحتاج المدرسة إلى الا تختزل نجاح المعلم في سرعة انهاء المنهاج او عدد الاجابات الصحيحة في الامتحان.حين يطرح الطالب سؤالا فهو لا يطلب معلومة فقط. انه يختبر ما اذا كان مسموحا له ان يفكر بصوت عال. وقد تكون اجابة المعلم لحظة تعليمية اعمق من الاجابة نفسها. وقبل ان نسال لماذا لا يشارك الطلاب او لماذا لا يبدون فضولا يجدر بنا ان نسال انفسنا سؤالا اكثر ازعاجا. ماذا فعلنا نحن بسؤال الطالب حين جاء به الينا؟ اذا كانت ردود افعالنا قد جعلته يفضل الصمت على الكلام او حفظ الاجابة على مناقشة الفكرة فالمشكلة ليست في الطالب وحده. وربما لا تكمن المشكلة في قلة الاسئلة بل في البيئة التي جعلت السؤال مكلفا. فالمعلم الذي يحترم سؤال الطالب لا يقدم له جوابا فحسب. بل يمنحه اذنا بالتفكير.

واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس

د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)