الإثنين 21 سبتمبر 2026 8:47 صباحًا - بتوقيت القدس
عمرو دياب قال لجمهوره في العقبة: «البسوا أبيض». فلبسوا أبيض. عشرات الآلاف، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيبًا، وكأن العقبة تحولت في ليلة واحدة إلى أكبر مؤتمر جماهيري للون الأبيض، من دون لجنة تحضيرية، ولا اجتماع تشاوري، ولا بيان ختامي، ولا خلاف على ترتيب المقاعد!بعيدًا عن عمرو دياب وأغانيه والحفلة، استوقفتني الحكاية من زاوية أخرى، وربما أكثر فلسطينية مما تبدو عليه للوهلة الأولى: كيف استطاع رجل واحد أن يجعل عشرات الآلاف يتفقون خلال ساعات على شيء واحد، بينما نحتاج نحن إلى سنوات كي نتفق على شيء اسمه فلسطين؟لا أعتقد أن السر في اللون الأبيض. السر في وضوح الرسالة. عمرو دياب لم يقل لجمهوره إننا أمام استحقاق جماهيري تاريخي يستوجب مقاربة تشاركية لإعادة تعريف الهوية البصرية للحفل. لم يشكل لجنة من سبعة عشر عضوًا، ولم يطلب ورقة سياسات، ولم يحدد موعدًا جديدًا للرد. قال ببساطة: «البسوا أبيض». ففهموا… وفعلوا.وهنا تبدأ الحكاية الفلسطينية.نحن نملك شعبًا يعرف كيف يستجيب، ويعرف كيف يصمد ويضحي ويتحمل. لكننا أحيانًا نتعامل معه وكأنه يحتاج إلى دورة تدريبية لفهم أبسط فكرة سياسية. نقول: نريد وحدة وطنية. فيسأل المواطن: كيف؟ نقول: نريد إصلاحًا سياسيًا. فيسأل: متى؟ نقول: نريد انتخابات. فيسأل السؤال الأخطر: انتخابات من أجل ماذا؟ وماذا سيتغير في حياتي بعدها؟ثم تبدأ الحفلة السياسية المعتادة: القانون، والدوائر، والقوائم، والتحالفات، والتمثيل، وترتيب الأسماء، والحصص، والتوافقات، ومن سيكون في المقدمة ومن سيكون في آخر القائمة. وبعد كل هذا النقاش العظيم قد نكتشف أننا نسينا السؤال الصغير: ماذا سنفعل بفلسطين؟المواطن الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له الواقع. هو يعرف غزة، ويعرف الضفة، ويعرف القدس، ويعرف الحواجز والبطالة وغلاء الأسعار والديون، ويعرف أن راتبه لا يحتاج إلى مؤتمر وطني كي يخبره أنه لا يكفي. ما يريده المواطن ببساطة هو أن يسمع: ماذا ستفعلون؟ متى؟ وكيف؟ ومن سيحاسب إذا فشلتم؟هذه ليست أسئلة فلسفية. هذه أسئلة مواطن.ولهذا، ربما نستطيع أن نتعلم من حفلة عمرو دياب شيئًا صغيرًا، من دون أن نحول السياسة إلى حفلة، ولا الانتخابات إلى منصة غنائية. الدرس ببساطة هو أن الناس تتحرك عندما تكون الرسالة واضحة، والهدف مفهومًا، والمسؤولية محددة.قل للمواطن: هذا مشروعنا، وهذه أولوياتنا، وهذه أول مئة خطوة، وهذا ما سننجزه خلال مئة يوم، وهذه الأشياء التي لن نستطيع إنجازها، وهذا الشخص الذي سيحاسب إذا أخفقنا. عندها يصبح التصويت فعلًا سياسيًا، لا مجرد اختيار اسم من بين أسماء.أما أن نطلب من المواطن أن ينتخب، ثم نتركه يكتشف لاحقًا أن صوته ذهب إلى قائمة تجمع خمسة شعارات وثمانية أشخاص وثلاثة خلافات، فهذه ليست بالضرورة ديمقراطية مكتملة. هذه أقرب إلى «بوفيه سياسي مفتوح»: كل واحد يأخذ ما يعجبه، وفي النهاية لا أحد يعرف من سيدفع الحساب!نحن أمام لحظة فلسطينية حساسة. غزة لا تحتمل مزيدًا من الانتظار، والضفة لا تحتمل مزيدًا من الاستنزاف، والقدس لا تنتظر خطابات جديدة، والشعب الذي دفع كل هذا الثمن لا يريد أن يسمع مرة أخرى أن «المرحلة تتطلب مزيدًا من الحوار». نعم، الحوار مهم، لكن الحوار الذي لا ينتج قرارًا يتحول مع الوقت إلى هواية وطنية، والانتخابات التي لا تحمل مشروعًا تتحول إلى مجرد تبديل للكراسي.الانتخابات الحقيقية ليست أن تقول للمواطن: «صوّت لي». بل أن تقول له: «هذا ما أتعهد به أمامك، وحاسبني عليه».عمرو دياب قال: «البسوا أبيض»، فاستجاب عشرات الآلاف. أما نحن فنقول منذ سنوات: «اتفقوا على فلسطين»، فنختلف على من يجلس في الصف الأول!وربما هنا تكمن المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها: المشكلة ليست في أن الشعب لا يستجيب. الشعب أثبت في العقبة أنه يستطيع أن يستجيب بسرعة مذهلة عندما تكون الرسالة واضحة. المشكلة أن الذين يريدون قيادة الناس سياسيًا ما زالوا يرسلون إليهم رسائل تحتاج إلى مترجم، ولجنة، ومؤتمر، وربما مؤتمر لمناقشة نتائج المؤتمر.لذلك، إذا أردنا انتخابات مختلفة، فلا نحتاج أن نطلب من الفلسطيني أن يرتدي الأبيض. نحتاج أن نعطيه شيئًا أهم من لون القميص: مشروعًا واضحًا، قابلًا للقياس والمحاسبة، يعرف المواطن لماذا يصوت له وماذا ينتظر منه.فالشعب الذي استطاع أن يتفق على لون القميص في ليلة واحدة، يستطيع أن يتفق على لون المستقبل، إذا توقف السياسيون عن تغيير ألوانهم كلما اقترب موعد الانتخابات.فالمشكلة ليست أن الشعب لا يعرف كيف يستجيب… المشكلة أن بعض السياسيين لم يتفقوا بعد: ماذا يريدون منه أن يستجيب له!* القيادي في حركة المبادرة الوطنية
قال: البسوا أبيض… فلبسنا!
واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)