الإثنين 21 سبتمبر 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس
عقيدة دينية سياسية خبيثة ولدت في بريطانيا ودول أوروبية أخرى وامتدت لأمريكا قبل أكثر من قرن ووجدت في فلسطين مرتعا ومقصدا لها تتوسع اليوم وتعبر المحيطات بحثًا عن أرض جديدة تنمو فيها. هذه العقيدة تقول ببساطة إن قيام دولة إسرائيل هو "تحقيق مباشر لنبوءة توراتية"، وإن دعم هذه الدولة سياسيًا وعسكريًا واجب ديني لا يحتمل النقاش، وإن الفلسطينيين، في هذا السرد، ليسوا سوى عقبة عابرة أمام مشيئة إلهية.لعقود ظل هذا الخطاب بالغالب حكرًا على الكنائس الإنجيلية الأمريكية يعتمدها عشرات الملايين منهم لكنه اليوم بدا يتمترس فى أمريكا الجنوبية والوسطى، حيث بنى بالفعل قاعدة شعبية راسخة عبر الكنائس الإنجيلية سريعة النمو هناك، ومؤخرا بدأ يفتح له أبواب جديدة في إفريقيا وآسيا، القارتين اللتين تشهدان نموا لافتا لهذه الظاهرة.نصل الى نقطة غاية فى الدهاء والخطورة: عندما يتم 'تبكيت' أهداف سياسية وتغليفها كعقيدة إيمانية تُدرَّس في الكنائس الوليدة بأوغندا أو كينيا أو نيجيريا أو غواتيمالا او كولومبيا فإنها لا تحتاج بعدها إلى حملات علاقات عامة أو ضغط دبلوماسي، لأنها ببساطة تصبح جزءًا من الإيمان نفسه! تُورَّث من جيل إلى جيل، وتصعب مواجهتها لاحقًا لأنها لم تعد رأيًا سياسيًا يمكن دحضه، بل صارت قناعة روحية راسخة في الوجدان.هذا خطير! تصوروا مدى 'ذكاء' وخبث الفكرة! والمفارقة المؤلمة هنا أن كثيرًا من هذه الكنائس نشأت في مجتمعات خرجت هي نفسها من تحت نير الاستعمار، ومع ذلك تتبنى اليوم منطقًا استعماريًا مماثلًا تجاه شعب آخر، لمجرد أنه يُقدَّم لها بغلاف ديني مقدس.نأتي الى الموتمر الهام والذى عقد في إسطنبول فى الاسبوع الاول من ايلول الجارى حيث تقدمت جامعة دار الكلمة الفلسطينية (مشكورة وصاحبة ريادة فى هذا الجهد الهام وبإدارة حكيمة من القس الدكتور مترى الراهب) وبالشراكة مع الكنيسة المشيخية الأمريكية، ومؤتمر عموم كنائس إفريقيا، وغيرها من الكنائس ذات التأثير الواسع بعقد مؤتمر للتشهير بهذه الظاهرة، والأهم وضع خطة عمل تستهدف تحديدًا المناطق التي تتمدد فيها هذه العقيدة الآن. البيان الختامي طالب الكنائس بمراجعة مناهجها اللاهوتية ومصادر تمويلها وبرامجها التعليمية قبل أن تصل إليها هذه الأفكار، ودعا إلى إدماج الرواية الفلسطينية في تعليم الأجيال الجديدة من رجال الدين، وتنظيم رحلات حج بديلة تُطلع الزوار على واقع الاحتلال بدل اقتصار على مواقع دينية منقطعة عن سياقها، بإلإضافة لدعم الاقتصاد والفنون والسينما الفلسطينية كوسيلة لإيصال الرواية الأخرى. هنا بيت القصيد وهذا هو الفرق الجوهري بين مؤتمر يصدر بيانًا والسلام، وبين مبادرة تفهم أن المعركة الحقيقية تدور اليوم داخل كنائس العالم ووجب مواجهتها ودحرها. وفى ذان السياق جامعة دار الكلمة ستصدر خمسة كتب بحثية كمرجع لفهم هذه الظاهرة ومواجهتها.ولمن يسأل لماذا يعنينا نحن، أبناء هذه الأرض، ما يجري في كنيسة بأوغندا أو معهد لاهوتي في غواتيمالا، فالجواب بسيط ومباشر: هذه 'العقيدة' هي الوقود الذي يغذي شرعية الاستيطان ويمنح كل بؤرة استيطانية جديدة، وكل عملية تهجير قسري "غطاء مقدس” لا يقبل المساءلة. الخطورة هنا انه وكلما اتسعت رقعة من يؤمنون بأن استعمار الأرض تكليف إلهي، ضاقت مساحة المناورة السياسية أمام أي حل عادل، وطال أمد معاناة من ما زالوا يتشبثون ببيوتهم في القدس والخليل وبيت لحم وغزة.هذه ليست معركة لاهوتية بعيدة عنا بل امتداد مباشر لمعركة البقاء في الوطن.نقطتان ذواتا صلة مباشرة مع أعلاه:أولاً: المفارقة أن هذا التمدد نحو الجنوب العالمي يتزامن مع تصدع بدأ يظهر في المعقل الأصلي لهذه العقيدة، أي الكنائس الإنجيلية الأمريكية نفسها. استطلاعات متتالية تشير الى تراجع ملحوظ فى نسبة الشباب الإنجيلي الأمريكي المؤيدين لإسرائيل. والأهم من الأرقام السياسية أن التحول بدأ يطال جذر العقيدة نفسها. دراسة أجرتها عام ٢٠٢٥ مؤسسة غراي ماتر للأبحاث بعنوان "مفترق طرق الإيمان" رصدت تصدعات في قناعة الإنجيليين أنفسهم بأن اليهود هم "شعب الله المختار"، وهذه بالذات هي الركيزة اللاهوتية التي قامت عليها المسيحية الصهيونية منذ نشأتها. حين يهتز هذا الأساس، فالمسألة لم تعد خلافًا على سياسة حكومة بعينها، بل تصدعًا في العقيدة ذاتها، وهذا يفسر جزئيا لماذا خصصت إسرائيل لعام ٢٠٢٦ ميزانية علاقات عامة تقترب من سبعمئة وثلاثين مليون دولار (أربعة اضعاف ميزانية العام الذى سبقه)، موجهة في جزء كبير منها إلى استرضاء هذه الشريحة بالذات، قبل أن يفلت منها زمام جيل كامل.ثانيا،ً (وهذا التطور مثير للغاية) كشفت تقارير صحفية موثقة عن حملة تفوق قيمتها عشرة ملايين دولار، تديرها وزارتا الشؤون الاستراتيجية والشتات الإسرائيليتان عبر شركات علاقات عامة أمريكية. الحملة تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج آلاف المنشورات شهريًا، وتستعين بشبكات حسابات وهمية لتضخيمها، وتذهب إلى حد رصد الحدود الجغرافية لكنائس بأكملها في كاليفورنيا ونيفادا وأريزونا وكولورادو خلال ساعات الصلاة، لتحديد هوية المصلين عبر بيانات تجارية واستهدافهم لاحقًا برسائل مصممة خصيصًا لهم، تصور الفلسطينيين كوحوش ومهددين للمسيحية ذاتها! هذا ليس حملة إعلانية عابرة وهى تستهدف وعي ثمانية ملايين مصلٍ وأربعة ملايين طالب في الجامعات المسيحية.هل تنجح هذه المحاولات في وقف الانحدار داخل أمريكا، وهل تسبق مبادرات مثل إسطنبول موجة الانتشار في إفريقيا وآسيا؟لا إجابة قاطعة، لكن المعطيات تسمح بتفاؤل حذر لا أكثر.جيل الإنترنت في كل مكان بات أقل انصياعًا لسردية جاهزة يفرضها عليه رجل دين من فوق منبر، وأكثر ميلًا للتحقق بنفسه مما يراه رأي العين على الشاشة. لكن في المقابل، الكنائس الإنجيلية الجديدة في إفريقيا وآسيا تنمو بوتيرة تفوق قدرة أي مبادرة مضادة على مجاراتها، وتفتقر غالبًا للحصانة النقدية التي بدأت تتشكل ببطء لدى نظرائها الأمريكيين بعد عقود من الجدل.المعركة إذن مفتوحة، ونتيجتها لن تُحسم ببيان مؤتمر واحد، بل بمن يصل أولًا إلى وعي الجيل القادم من رجال الدين في الجنوب العالمي، مسيحيي فلسطين وشركائنا أم الطرف الاخر.
مسيحيو فلسطين يتصدون "للمسيحية" الصهيونية
واصل الخطيب: مسؤول ملف الإعلام في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
التعليقات (0)