f 𝕏 W
شعرية محمد علوش: من جغرافيا الجرح إلى شعرية الأثر

وكالة قدس نت

سياسة منذ ساعة 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

شعرية محمد علوش: من جغرافيا الجرح إلى شعرية الأثر

نعيم الفقيه يكتب: شعرية محمد علوش: من جغرافيا الجرح إلى شعرية الأثر

لا تستمد تجربة محمد علوش الشعرية أهميتها من كونها تنتمي، في جذورها الأولى، إلى الامتداد الطبيعي للقصيدة الفلسطينية الحديثة، ولا من استعادتها للموضوعات الكبرى التي شغلت الشعر الفلسطيني منذ بداياته الحديثة، كالأرض والمنفى والاقتلاع والذاكرة والشهادة والمقاومة؛ فهذه العناصر، على أهميتها، لا تمنح أي تجربة شعرية فرادتها بصورة تلقائية، والقيمة النقدية الحقيقية تبدأ من الكيفية التي يعيد بها الشاعر تشكيل هذه العناصر داخل اللغة، ومن المسافة التي يقطعها النص بين الموضوع بوصفه مادة جاهزة، والتجربة بوصفها إعادة خلق للموضوع في الوعي والخيال واللغة.

ومن هذه الزاوية تبدو تجربة علوش أكثر تعقيداً مما قد توحي به القراءة الأولى لبعض نصوصه، فالشاعر الذي بدأ من فضاء الجرح الفلسطيني، ومن الأسئلة المرتبطة بالأرض والحرية والإنسان، لم يبقَ أسير القصيدة الوطنية في صورتها المباشرة، وإنما أخذ، مع تراكم التجربة، ينقل مركز الثقل من الحدث إلى أثر الحدث، ومن القضية إلى ما تتركه القضية في الذات، ومن الذاكرة بوصفها مخزوناً للماضي إلى الذاكرة بوصفها قوة فاعلة في الحاضر، ومن المكان بوصفه جغرافيا إلى المكان بوصفه بنية وجدانية، ومن اللغة بوصفها أداة للتعبير إلى اللغة بوصفها فضاءً لإعادة بناء العالم.

وهنا تحديدًا تبدأ خصوصية تجربة الشاعر الفلسطيني محمد علوش، تجربة لا يمكن مقاربتها من خلال القصيدة المفردة وحدها؛ لأن نصوصه، على اختلاف مراحلها وتنوع موضوعاتها، تبدو كأنها تدخل في حوار طويل ومفتوح مع بعضها بعضاً، فهناك مفردات تعود، وصور تتكرر، ومجازات تنتقل من نص إلى آخر، غير أن التكرار هنا لا يعني الثبات؛ فالمفردة الواحدة لا تحتفظ بالضرورة بدلالتها الأولى، وإنما تتغير بتغير موقعها داخل التجربة، النار، والضوء، والظل، والريح، والنهر، والجبل، والمدينة، والسجن، والأم، والأرض، والزيتون، والحنطة، والمحراب، والقيامة، والقصيدة، ليست مجرد مفردات متناثرة في معجم الشاعر، وإنما تتحول تدريجياً إلى علامات تتبادل وظائفها وتنتج شبكة من العلاقات الداخلية.

ولذلك فإن قراءة علوش تقتضي الانتقال من سؤال: «عمَّ يتحدث الشاعر؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «كيف يتحول ما يتحدث عنه إلى عالم شعري؟»، وهذا التحول هو، في تقديري، المدخل الأكثر ملاءمة لفهم تجربته.

لقد كانت فلسطين في البدايات حضوراً واضحاً ومباشراً، وهو حضور يتصل بطبيعة التجربة التاريخية والسياسية التي نشأ فيها الشاعر، وبالمناخ الثقافي الذي تشكلت فيه حساسيته الأولى، وقد توقفت قراءات مبكرة عند ديوان «سترون في الطريق خطاي»، مشيرة إلى حضور الهم الفلسطيني والجماعي، وإلى المقاومة والعمال والشهادة والمدن الفلسطينية بوصفها مكونات مركزية في الخطاب الشعري، غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في تسجيل حضور فلسطين فحسب، وإنما في أنها أسست العلاقة العميقة بين الذات والمكان؛ وهي العلاقة التي ستتطور لاحقاً من مستوى الانتماء إلى مستوى الذاكرة، فالمدينة عند علوش ليست موقعاً على الخريطة، والشهيد ليس موضوعاً للرثاء، والأرض ليست خلفية للحدث، والأم ليست شخصية عابرة في المشهد؛ فهذه العناصر تتسلل شيئاً فشيئاً إلى البنية الداخلية للذات، وبذلك ينتقل الوطن من كونه موضوعاً تقوله القصيدة إلى كونه شيئاً تتشكل منه القصيدة.

وهذا انتقال جوهري، فالقصيدة الوطنية المباشرة تقول إن الأرض لنا، وإن التاريخ لنا، وإن الجرح لنا، وإن الذاكرة لنا، أما القصيدة التي بلغت مرحلة أكثر تركيباً من الوعي الشعري، فإنها لا تحتاج دائماً إلى إعلان هذه الملكية؛ لأنها تجعل المكان حاضراً في نسيج اللغة نفسها، وعندئذ لا تصبح فلسطين اسمًا يتكرر بقدر ما تصبح أثراً يسكن التفاصيل: في رائحة الخبز، وفي صورة الأم، وفي الزيتونة، وفي الطفل، وفي الطريق، وفي اسم مدينة، وفي وجه الغائب الذي لم يصل.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من وكالة قدس نت

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)