قبل أن يكتشف الرحالة الأوروبيون منابع النيل وبحيرة فكتوريا في القرن التاسع عشر، كان هناك رحالة عثماني قد طاف هذه البقاع في القرن السابع عشر وسجلها في عشرة آلاف صفحة… إنه أوليا جلبي، العين التي رأت الإمبراطورية العثمانية في ذروة مجدها.
يعتبر الرحالة العثماني التركي أوليا جلبي (1611-1684) من أغزر الجغرافيين الكلاسيكيين إنتاجا وأوسعهم معرفة بالعالم آنذاك، وغطت رحلاته أقطار الدولة العثمانية وجوارها، وسجّل أحوال الممالك والشعوب ومشاهداته الغنية معرفيا.
وبخلاف أسلوب بعض معاصريه العثمانيين – مثل شيخ أحمد دهده منجم باشي (1631–1702) صاحب “جامع الدول” في تاريخ العالم و”صحائف الأخبار” في تاريخ آل عثمان، ومصطفى أفندي (1609–1657) المعروف بـ”حاجي خليفة” صاحب “جهان نامه”، في جغرافية العالم وأسلوبهما بطابعه الأكاديمي والتزامه الموضوعي، فإن أوليا جلبي قد كتب مؤلفه الشهير "سياحتنامه"، كتاب السياحة، من عشرة مجلدات وعشرة آلاف صفحة خلال الفترة (1649-1683)، سجّل فيه رحلاته ومشاهداته وما رافقها من أحوال وأوضاع ووقائع، بأسلوب سلس سهل التناول، وطابع قصصي مشوق يجمع المعلومة بالحكاية والتجربة الشخصية.
أمضى أوليا جلبي حوالي أربعين عاما من حياته مرتحلا في البلاد العثمانية وغيرها من البلاد المجاورة. وقد عاش في القاهرة عشر سنوات وزار الشام والسودان وبلاد الحبش والحجاز لأداء فريضة الحج.
ضم المجلد التاسع رحلاته إلى بلاد الشام (رحلتين) والحجاز لأداء فريضة الحج، بينما خصص المجلد العاشر لمشاهداته المفصلة ورحلاته في مصر وأفريقيا. لقد اعتمدت العديد من دراسات التاريخ العثماني، (إلى جانب الأرشيف العثماني الضخم)، على مشاهدات وتسجيلات أوليا جلبي الغنية بالتفاصيل والمعلومات مصدرا أوليا لها، وترجمت أجزاء من كتابه إلى لغات عديدة.
سبقت مشاهداته التي سجلها عن رحلته إلى بلاد السودان والحبش وحتى منابع النيل وبحيرة فيكتوريا مشاهدات الرحالة الأوروبيين التي لم تبدأ إلا أواسط القرن التاسع عشر.
التعليقات (0)