لم يعد رنين الهاتف بالنسبة إلى أم حبيبة حدثا عاديا. بعد وفاة والدها وتعثر الأسرة في سداد أقساط جهاز كهربائي اشترته بنظام التمويل الاستهلاكي، صارت المكالمات القادمة من أرقام مجهولة تحمل معها سؤالا واحدا: ماذا سيقول المحصل هذه المرة؟ كانت الأسرة، بحسب روايتها، تطلب مهلة أو إعادة جدولة للدين، إلى أن جاءتها العبارة التي اختصرت فجأة المسافة بين معاملة مالية يفترض أنها حديثة ومنظمة وبين عالم أكثر خشونة: "خلي أبوكي يطلع من التُربة ويدفع لك".
ليست هذه القصة التي وردت في تغطية صحفية محلية مجرد حكاية فردية. فخلال عام 2026، توالت في الصحافة شهادات لعملاء تحدثوا عن مكالمات متكررة في ساعات مختلفة، وتهديد بزيارة المنزل أو مكان العمل، والاتصال بالأقارب والجيران، واستخدام الإهانة والخوف من "الفضيحة" وسيلة لدفع المتعثر إلى تدبير القسط بأي طريقة.
أحد العملاء قال إن موظف تحصيل هدده بأن يأتي إلى منزله ويفضحه أمام جيرانه وعروسه، فيما تحدث آخرون عن ضغوط دفعتهم إلى الاستدانة من أصدقاء أو من جهة تمويل أخرى فقط لإسكات المطالبات الأولى. ولا تعني هذه الشهادات بالضرورة أن تلك الممارسات سياسة عامة لشركات التمويل، لكنها كانت متكررة بما يكفي لأن يصبح تنظيم شركات التحصيل وحماية العملاء ملفا رسميا لدى هيئة الرقابة المالية، التي أصدرت قرارا العام الماضي لإنشاء سجل لجهات التحصيل، وحظر التعامل مع غير المقيدين فيه، وإلزام الشركات بإخطار العملاء بجهة التحصيل المعتمدة، والنظر في الشكاوى، وحماية سرية البيانات.
المفارقة أن هذا الوجه "القاسي" ظهر في اللحظة نفسها تقريبا التي كان فيها التمويل الاستهلاكي يحتفل بنجاحه الأكبر في مصر. فما كان نشاطا لا تتجاوز إجمالي تمويلاته نحو 8 مليارات جنيه (نحو 509 ملايين دولار بسعر ذلك الوقت) في عام 2020، أصبح بعد خمس سنوات سوقا تقترب قيمته السنوية من 100 مليار جنيه (نحو ملياري دولار) حسب بيانات عام 2025. وخلال النصف الأول من العام الحالي وحده، ارتفع الرقم إلى 71.8 مليار جنيه (حوالي 1.4 مليار دولار) بزيادة قدرها 88.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
لم يعد القرض مرتبطا فقط بشراء سيارة أو شقة، بل دخل الهاتف المحمول والثلاجة والملابس والتعليم والعلاج والنادي الرياضي إلى عالم الأقساط. ومع كل ضغطة على زر "اشترِ الآن وادفع لاحقا"، صار جزءا إضافيا من راتب الشهر المقبل محجوزا قبل أن يصل إلى صاحبه.
"التضخم وانخفاض القوة الشرائية جعلا التقسيط وسيلة عملية لشراء الحاضر بدخل المستقبل"
التعليقات (0)