الأحد 20 سبتمبر 2026 9:06 صباحًا - بتوقيت القدس
ثمة أخبار لا تحتاج إلى محلل سياسي بقدر ما تحتاج إلى كاتب مسرح عبثي. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستطيع أن يدخل نيويورك ليقف على منبر الأمم المتحدة، بينما الرئيس الفلسطيني محمود عباس يُمنع من التأشيرة، ويُطلب منه أن يظهر على الشاشة من بعيد.هنا تبدأ الكوميديا السوداء. ليس السؤال: لماذا سُمح للرئيس الإيراني بالدخول؟فالولايات المتحدة دولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة، ولديها التزامات مرتبطة بذلك، ومن حق إيران، كدولة عضو، أن يكون لها حضور في الجمعية العامة ضمن القيود التي تفرضها واشنطن. السؤال الأكثر إحراجًا هو: كيف أصبح الباب الذي يتسع لرئيس دولة تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، أضيق من أن يتسع لمحمود عباس؟هذه ليست مفارقة صغيرة في إجراءات التأشيرات؛ إنها صورة مكثفة للاضطراب الذي أصاب قاموس السياسة الدولية.لسنوات طويلة قُدِّم محمود عباس إلى العالم بوصفه عنوان الخيار السياسي الفلسطيني. الرجل اختار المفاوضات بدل البندقية، واعترف بإسرائيل، وتمسّك بحل الدولتين، وأدار صراعه عبر المؤسسات الدولية والدبلوماسية والقانون. يمكن الاختلاف معه، ومع سياساته، ومع حجم التنازلات التي قدمها، ويمكن نقد تجربته من ألف زاوية فلسطينية وعربية، لكن يصعب محو حقيقة مركزية واحدة: محمود عباس اختار أن يخاطب العالم باللغة التي طالبه العالم نفسه بأن يتحدث بها.قالوا للفلسطيني: اترك السلاح واذهب إلى السياسة. ذهب.قالوا: تفاوض. فاوض. قالوا: اعترف بالشرعية الدولية. اعترف. قالوا: اجعل الأمم المتحدة والمحاكم والقانون الدولي ساحات صراعك. وعندما ذهب الفلسطيني إلى المؤسسات الدولية، أصبحت هذه الخطوة نفسها واحدة من القضايا التي تعترض عليها واشنطن.وهنا تبلغ الكوميديا السوداء ذروتها: ماذا بقي للفلسطيني كي يفعله حتى يستحق مقعدًا في القاعة؟ المشهد يحتاج إلى قليل من الصمت كي ندرك مقدار السخرية الكامنة فيه: ممثل إيران يستطيع أن يصل إلى نيويورك، رغم أن واشنطن تصنّف إيران دولة راعية للإرهاب، ورغم الصراع العسكري والسياسي العنيف بينهما.أما محمود عباس، الذي بنى خطابه السياسي لعقود على التسوية والمفاوضات وحل الدولتين، فيتحدث إلى الأمم المتحدة عبر شاشة. ليس المقصود هنا القول إن إيران لا ينبغي أن تحضر. بالعكس؛ الأمم المتحدة وجدت أصلًا لكي يجلس الخصوم والأعداء تحت سقف واحد. لكن إذا كانت فلسفة الأمم المتحدة تسمح بوصول الخصم الإيراني إلى المنبر، فكيف يصبح وصول الفلسطيني الذي اختار المسار السياسي مشكلة أمنية وسياسية؟هنا يتحول السؤال من التأشيرة إلى المعيار. المشكلة ليست أن الإيراني دخل. المشكلة أن الفلسطيني مُنع.والمفارقة الأكبر أن محمود عباس لم يُعاقَب لأنه أعلن الحرب على الولايات المتحدة، ولا لأنه أرسل جيشًا إلى حدودها، بل إن من الأسباب التي تعلنها واشنطن اعتراضها على التحرك الفلسطيني في المؤسسات والمحاكم الدولية. أي أن الفلسطيني يجد نفسه أمام معادلة شديدة الغرابة: إذا قاومت بالقوة فأنت إرهابي. وإذا ذهبت إلى المحكمة الدولية فأنت تقوّض السلام.وإذا طالبت بالاعتراف بدولتك فأنت تتجاوز المفاوضات. وإذا تمسكت بالمفاوضات عقودًا ولم تحصل على الدولة، يُطلب منك المزيد من الانتظار.ثم يأتي موعد الأمم المتحدة، فلا تحصل حتى على التأشيرة التي توصلك إلى المنبر. إنها ليست أزمة تأشيرة؛ إنها أزمة تعريف للسلام نفسه. فالسلام لا يمكن أن يعني أن يكون الطرف الأضعف هادئًا إلى الأبد، بينما تتغير الأرض من تحته ثم يُطلب منه أن يعتبر صمته دليل اعتدال.ولا يمكن للدبلوماسية أن تكون طريقًا ذا اتجاه واحد: مطلوب من الفلسطيني أن يسلكها، ثم حين يصل إلى نهايتها يجد الباب مغلقًا.والأشد مرارة أن منع محمود عباس لا يضعف الرجل وحده؛ بل يوجه رسالة أوسع بكثير إلى الفلسطيني العادي. ذلك الفلسطيني يستطيع أن يسأل العالم سؤالًا بسيطًا وخطيرًا: إذا كان الرجل الذي اختار التفاوض والاعتراف والشرعية الدولية طوال عقود لا يستطيع أن يصل إلى منبر الأمم المتحدة، فماذا تقولون للأجيال الفلسطينية القادمة عن جدوى الطريق السياسي؟ هذه هي المسألة التي ينبغي أن تقلق كل من يتحدث عن السلام. لأن إضعاف الطريق السياسي لا يصنع بالضرورة طريقاً سياسياً أكثر اعتدالاً؛ بل قد يقنع الناس بأن الطريق نفسه بلا نهاية.ومن هنا، فإن الدفاع عن حق محمود عباس في الوصول إلى الأمم المتحدة ليس دفاعاً عن شخص، ولا تزكية لكل سياساته، بل دفاع عن مبدأ أبسط بكثير: أن من اختار السياسة يجب ألا يُعاقَب على اختياره السياسة.لقد صوتت الجمعية العامة بأغلبية واسعة للسماح للرئيس الفلسطيني بالمشاركة عبر الفيديو بعدما تعذر حضوره، وكأن العالم اضطر إلى فتح نافذة إلكترونية لأن باب نيويورك أُغلق أمامه. وهنا تكتمل المسرحية: الرئيس الإيراني يدخل من المطار. والرئيس الفلسطيني يدخل من الشاشة. ثم يجلس العالم في القاعة ليتحدث طويلًا عن السلام. أي كوميديا سوداء أبلغ من ذلك؟ربما آن الأوان ألا نسأل فقط: من حصل على التأشيرة ومن مُنع منها؟ بل نسأل السؤال الذي تخشاه السياسة أكثر: أي رسالة يبعثها النظام الدولي عندما يجد خصومه المسلحون طريقًا إلى طاولته، بينما يجد رجلٌ جعل التفاوض خياره التاريخي أن الطريق إلى المنبر مغلق؟إن أخطر ما في هذه الحكاية ليس الظلم الواقع على محمود عباس شخصيًا. الأخطر هو الظلم الواقع على فكرة السلام نفسها. لأن العالم حين يقول للفلسطيني طوال ثلاثين عامًا: "تعالَ إليّ بالسياسة"، ثم يغلق الباب عندما يأتيه بالسياسة، فإنه لا يفقد فقط صدقيته أمام محمود عباس؛ بل يخاطر بفقدان صدقيته أمام شعب كامل.وفي السياسة، كما في التجارة القديمة، هناك قاعدة بسيطة: لا تُعَدّ البضاعة مرتين. إما أن تكون الدبلوماسية طريقاً محترماً حين يسلكه الفلسطيني، أو أن يعترف العالم بأن المعايير تتغير بتغيّر صاحب الجواز. أما أن يدخل الخصم من الباب، ويُمنع رجل التسوية من العبور، ثم يُرفع داخل القاعة شعار "السلام"… فتلك ليست دبلوماسية. تلك كوميديا سوداء تُعرض على أكبر مسرح سياسي في العالم.
لا تُعَدّ البضاعة مرتين.. حين يدخل خصم أمريكا من الباب ويُمنع محمود عباس من التأشيرة
رائد محمد الدبعي: المحاضر في قسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية
صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)