تعتبر القرارات المصيرية في حياة الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالإصلاح العام، أمانة ثقيلة تتجاوز في قيمتها المكتسبات المادية الضيقة. إن اختيار الفرد أن يكون مصلحاً لا يكتفي بصلاح نفسه بل يسعى للنهوض بأمته، يعد عهداً غليظاً بينه وبين خالقه يتطلب ثباتاً لا يلين أمام مغريات الحياة.
إن المصلحين الصادقين يسيرون على نهج النبوة، حيث أكدت النصوص الشرعية أن العلماء هم ورثة الأنبياء الذين لم يورثوا مالاً بل علماً نافعاً. وتبرز قيمة المصلح في كونه سراجاً يضيء دروب الآخرين، حتى وإن تطلب ذلك تضحيات جسيمة من راحته الشخصية واستقراره الخاص.
يصبح التربح من قضايا الإصلاح أو السعي لتحقيق مكاسب عائلية وشخصية جرماً أخلاقياً يتنافى مع جوهر الرسالة التي يحملها المصلح. فإذا كان هناك ثوار لم يعرفوا الوحي وبذلوا أرواحهم لأجل مبادئهم، فمن الأولى بمن علم عن الله ورسوله أن يكون أكثر نزاهة وترفعاً عن الصغائر.
إن أخطر ما يواجه حركات الإصلاح هو تراجع القادة والموجهين في منتصف الطريق، خاصة عندما يتركون خلفهم أتباعاً يعانون في المعتقلات أو يواجهون الأزمات. هذا الانسحاب لا يكسر الروح المعنوية للشباب فحسب، بل يربك مسيرة الأمة ويضعف الثقة في القيم التي نادوا بها لسنوات.
لقد حذر المفكرون والعلماء، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، من أولئك الذين وفدوا على العمل الدعوي والإصلاحي مبتغين مصالح دنيوية. هؤلاء لم يفسدوا الدنيا فحسب، بل شوهوا صورة الدعوة النقية التي تطمح الشعوب للالتفاف حولها كطريق للخلاص والنهضة.
تئن الأمة اليوم تحت وطأة الأزمات، من فلسطين المحتلة وقطاع غزة المحاصر، إلى تداعيات الربيع العربي وما يحاك ضد البلدان المسلمة. هذه المعاناة يجب أن تكون المحرك الأساسي لكل صاحب ضمير حي ليتمسك بموقفه الإصلاحي ويرفض الانكفاء على الذات.
💬 التعليقات (0)