في الثامنة صباحا، وقبل أن أصل بثلاث ساعات إلى موعدنا، كان فواز حداد قد أخذ مكانه في طرف مقهى "نيرو" بريتشموند جنوب غربي لندن. النادلة البولندية التي غطّت الأوشامُ ذراعيها لم تسأله عما يريد؛ تعرف طلبه: كابتشينو واحد، سيبقى معه خمس ساعات، وسيبرد الكوب على مهل. فتح الحاسوب وأخذ يقرأ ما كتبه بالأمس ليواصل السير الكتابي. والموسيقى تهمس في أذنه. وقلمه إلى جانب الكوب لم تمسسه يده بعد.
مضت الساعة التاسعة، ثم العاشرة، والقلم في مكانه.
حين دفعتُ باب المقهى في الحادية عشرة والربع، كانت الشرارة قد قدحت للتو وهو يقرأ. الرجل الذي يجلس إلى عمله سبعة أيام في الأسبوع، يقول إن العمل الفعلي في نهاره لا يتجاوز ساعتين. أما الساعات الثلاث التي سبقتني إلى الطاولة فهي فترة التهيّؤ للكتابة أشبه بنفخ الكِير على الموقد، تُحمى النار على الحديدة قبل أن يرفع حفيد الحداد المطرقة.
من محطة وستمنستر في قلب لندن، يأخذك خط الديستركت الأخضر جنوبا وغربا، خمسة عشر كيلومترا تنسلّ فيها لندن من كآبتها الخرسانية انسلالا، تضيق العمارات، وتتباعد، ثم تفسح الطريق لبيوت من الآجر الأحمر تتقدمها حدائق صغيرة مجزوزة العشب. في المنطقة الرابعة من خريطة القطارات، حيث يظن الغريب أن المدينة انتهت، تنفتح محطة ريتشموند على ضاحية يجري قربها التيمز بسكون.
كان ذلك في يوليو/تموز والشمس الإنجليزية الخجولة في أكرم مواسمها. مشيتُ من المحطة صعودا نحو بوابة الحديقة الكبرى، ريتشموند بارك، أوسع حدائق لندن الملكية، أرض صيد سيّجها تشارلز الأول قبل أربعة قرون ليطارد فيها الغزلان، حين دخلتُ إلى الحديقة شاهدتُ الغزلان، ولم أرَ أحدا من العائلة الملكية. مئات منها ترعى اليوم بين أشجار بلوط يتجاوز عمر بعضها السبعمئة عام، لا يفزعها عابر ولا يفكر في صيدها صياد.
في المقهى كان فواز حداد ينتظرني بجسد نحيل وقامة منتصبة. خد حليق، وشارب مهذب يشرف على شفتيه شيئا قليلا، والشيب اللائح في شعره لا يخبرك بجديد بعد أن دلّتك تجاعيد وجهه على سنينه وما رآه فيها على مسرح الحياة.
التعليقات (0)