إن من منح جزر المالفيناس وجبل طارق وقبلهما فلسطين لبريطانيا لن يجد صعوبة في منح فلسطين مرة أخرى لنصوص وضعها وفسرها البشر، رغم أن النصوص براء مما يقولون ويفسرون، فالدين والشرائع أسمى من أن تلغي شعوبًا وتسلب أراضيها لتمنحها لقبائل شكّلت جزءًا من منظومة قبلية لها جغرافيتها البعيدة والخاصة.
بناء على ما سبق فقد آن الأوان لأن نقرأ جغرافيا التوراة بطريقة معكوسة، لا أن نبدأ بالخريطة التي استقرّت في الوعي، ثم نبحث داخل النص عما يؤيدها، بل أن نبدأ من النص نفسه، ومن أسماء الأماكن والجبال والأودية والأنهار ومسارات الحركة، ثم نسأل، أي أرض تنسجم مع هذه المعطيات أكثر؟ والغاية هنا اختبار فرضية ظلّت بعيدة عن البحث التقليدي، هل أُسقطت الجغرافيا التي نقرأها اليوم على مواقعها الحالية بفعل التفسير المتراكم أو المغرض، بينما تقود بعض القرائن النصية والطبوغرافية واللغوية إلى جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن؟
علينا أن نبدأ من الأرض قبل الأسماء، فاليمن القديم شكّل بيئة جبلية كثيفة الأودية، تعرف الأمطار والسيول والفيضانات، وتجمع بين المرتفعات والسهول الزراعية، وقد طوّر أنظمة للري والسدود والمدرجات، ونشأت فيه ممالك ومدن ومعابد وحصون وشبكات تجارية واسعة، فمأرب وشبوة وحضرموت وشبام ويافع شواهد على بيئة حضارية قادرة على إنتاج مجتمع مديني منظم ومعقد.
فرواية الطوفان ليست حدثًا مجردًا، فهي مرتبطة بجبل وبهبوط الناس من المرتفعات إلى الأرض المنبسطة، وإذا كان المطلوب تحديد الموقع، فإن «أرارات» أو «جودي» لا ينبغي أن يكونا نهاية البحث، بل بدايته، ما طبيعة الجبل؟ وما البيئة المحيطة به؟ وكيف تتحرك المياه؟ وهل تنسجم طبيعة المكان مع الحدث ومسارات الحركة التي يصفها النص؟ ومن هنا يصبح سؤال الحركة جزءًا من سؤال الجغرافيا؛ فإذا بدأنا من بلاد الرافدين، فلا يكفي أن نسأل: أين كانت «أور»؟ بل يجب أن نسأل أيضًا، إلى أين كانت الطرق القديمة تتجه؟ فقد كانت طرق القوافل، ولا سيما طرق البخور، تنقل السلع والأفكار والجماعات والأسماء، ولذلك فإن تشابه الأسماء لا ينبغي أن يُدرس منفردًا، بل داخل شبكة الحركة القديمة، وهي شبكة تجعل البيئة اليمنية جديرة بالدخول في المقارنة بدل استبعادها مسبقًا.
وفي هذا السياق تبرز «أور الكلدانيين»، فالتحديد التقليدي لأور في جنوب العراق معروف، لكن هناك طرحًا جغرافيًا بديلًا يختبر وجود «أور كسدم» أو «عُر كسدم» في منطقة جبل كساد بيافع في جنوب الجزيرة، ولا تعتمد قيمة هذا الطرح على تشابه اسم منفرد، بل على تراكم اسم «كساد» في المنطقة نفسها، من جبل كساد إلى آل كساد، ثم إلى الإمارة الكسادية في عصور لاحقة، كاستمرار لاسم محلي عبر مراحل تاريخية مختلفة.
هل تُشكل هذه الأسماء جزءًا من ذاكرة جغرافية أقدم من تلك المعروفة تقليديًا؟ لذلك من الضروري اختبار فرضية أخرى أمام النص والأرض والآثار، فإبراهيم ولوط في الرواية كانا يتحركان مع أهلهما وأنعامهما، حتى إن كثرة المواشي أصبحت سببًا في عدم اتساع الأرض لهما معًا، وفي عالم لا تتوافر فيه وسائل النقل الحديثة، تصبح الطرق والمياه والمراعي والحواجز الطبيعية جزءًا من اختبار الموقع، فإذا كانت مجموعة من الأسماء تتجمع في نطاق جغرافي متصل، فهل تقتضي الرواية فعلًا افتراض أن إبراهيم قطع آلاف الأميال بين مواقع متباعدة، أم أن علينا أن نختبر أولًا احتمال وجود مسار أقرب؟ إن القرب يصبح قرينة تستحق النظر عندما يترافق مع الأسماء والطبوغرافيا ومسارات الحركة.
التعليقات (0)