لم يعد الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قصة تقنية تدور بين مختبرات الشركات الكبرى، ولا ملفاً اقتصادياً تبحث فيه وادي السيليكون عن فرص جديدة للنمو والاستثمار، شيئاً فشيئاً، انتقل الذكاء الاصطناعي إلى مكان أكثر حساسية بكثير، إلى ربما قلب السياسة الأمريكية، وأصبح موضوعاً للاستقطاب والخلاف، بل وربما واحداً من الملفات التي ستبحث عن موقعها في الانتخابات والاستحقاقات السياسية القادمة.
ما يحدث هذه الأيام في واشنطن لافت، لأن الانقسام لم يعد بين السياسيين وشركات التكنولوجيا كما كان متوقعاً بل أن المفارقة أن بعض أكبر شركات الذكاء الاصطناعي نفسها بدأت تحذر من سرعة التطور، بينما تدفع الإدارة الأمريكية في الاتجاه المعاكس، معتبرة أن التباطؤ قد يعني خسارة السباق التكنولوجي أمام الصين، وفي المقابل، يظهر سياسيون مثل بيرني ساندرز بصورة أكثر تشدداً، مطالبين بوضع حدود صارمة على ما يمكن أن تصل إليه هذه التكنولوجيا.
ففي الأيام الماضية، دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، إلى إبطاء وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وتحدث سام ألتمان وإيلون ماسك وغيرهما عن الحاجة إلى مزيد من إجراءات السلامة، وفي الجهة الأخرى، رفض الرئيس دونالد ترامب هذه الدعوات، مؤكداً ضرورة استمرار الولايات المتحدة في السباق، بينما وصف مستشاره التكنولوجي ديفيد ساكس المخاوف المتصاعدة بأنها جزء من «منظومة للتخويف».
ثم جاء بيرني ساندرز ليضع النقاش في مستوى أكثر حدة، فقد أعلن مشروع قانون لحظر تطوير ونشر ما يسمى «الذكاء الاصطناعي الفائق»، مع وقف مؤقت لتطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم إلى حين إنشاء إطار تنظيمي اتحادي للسلامة، وفي حديثه الأخير، ذهب ساندرز إلى القول إن الخطر المحتمل للذكاء الاصطناعي قد يكون أكبر من الخطر النووي.
لكنني شخصياً أعتقد أن الخطأ يبدأ عندما نحاول قراءة هذا المشهد باعتباره معركة بين من «يخافون» من الذكاء الاصطناعي ومن «لا يخافون» فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالذكاء الاصطناعي يحمل بالفعل مخاطر حقيقية، من الاحتيال والتضليل والهجمات السيبرانية إلى فقدان بعض الوظائف، وتغير طبيعة العمل، وتركيز القوة الاقتصادية في عدد محدود من الشركات، وهناك أيضاً مخاطر مستقبلية مرتبطة بالأنظمة شديدة الاستقلالية، وهي مخاطر لا يمكن التعامل معها بالسخرية أو الإنكار وفي المقابل، فإن تحويل كل تطور جديد في الذكاء الاصطناعي إلى سيناريو عن نهاية البشرية قد يؤدي إلى نتيجة لا تقل خطورة، وهي أن يتحول الخوف نفسه إلى أداة لصناعة السياسات.
التعليقات (0)