لم يخسر نتنياهو نتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بانتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل فحسب، بل خسر أيضاً كل ما يمكن للمدرسة الأنجلوسكسونية في العلوم السياسية أن تستند إليه في الدفاع عن إسرائيل ووضعها في مصاف الدول الأكثر ديمقراطية في العالم.
فإسرائيل التي ارتكبت جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وإسرائيل التي تمارس التمييز العنصري ضد مواطنيها العرب، وإسرائيل التي تتنكر لقواعد القانون الدولي، وتشجع هجمات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين، وتنكر حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة؛ ما زال تصنيف «فريدوم هاوس» للحريات يضعها في مصاف الدول الديمقراطية. غريب هذا التناقض؛ فإما أن واضعي هذا المقياس العالمي يعيشون في واقع مغيب عما يحدث في هذا العالم، وإما أن يكون هذا المقياس متحيزاً لإسرائيل، وهو ما أعتقد أنه الأقرب إلى الصواب. وبين هذا وذاك، فإن نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أصبح في السنوات الأخيرة من حكمه سياسياً شعبوياً متطرفاً، على خلاف ما يُفترض أن يكون عليه رؤساء الدول في الأنظمة الديمقراطية. فتارةً يدعو إلى قتل العرب أو طردهم، وتارةً يسلّح المستوطنين، وتارةً يستخدم الآيات التوراتية للتحريض، وتارةً أخرى يطلق مواقف وتصريحات لا تنسجم مع أبسط قواعد القانون الدولي والمتمثلة في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، حتى بات هذا الشخص، في نظر كثير من منظري العلوم السياسية، فاقداً لأهلية تمثيل دولة تدّعي الديمقراطية.
وليس هذا فقط، ففي آخر تصريح له بشأن فوز فيلم "نازا" الإسرائيلي في مهرجان البندقية، دعا إلى تقديم مشروعين إلى الكنيست: الأول لسحب الجنسية ممن يشوّه صورة إسرائيل وجيشها، وهو الجيش الذي وصفه مراراً بأنه "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"؛ أما المشروع الثاني، فيتعلق بدفع تعويضات كبيرة جداً لكل من يشوّه سمعة إسرائيل. يذكر أن فيلم "نازا"، الذي أثار جدلاً واسعاً في إسرائيل وخارجها، يقدم شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية نفسها؛ إذ يعتمد على مقابلات مع 24 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً شاركوا في عمليات الاستهداف والمراقبة خلال الحرب على غزة. وتكشف شهاداتهم، كما يعرضها الفيلم، عن آليات استهداف أدت إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، وتثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة العمليات العسكرية والقواعد التي حكمت اختيار الأهداف. وقد حاز الفيلم تقديراً في مهرجان البندقية، وسط جدل واسع حول مضمونه وتأثيره على صورة إسرائيل في العالم.
والمفارقة الكبيرة في خطة نتنياهو لمواجهه تداعيات هذا الفيلم على سمعة اسرائيل الدولية بأنه - أي نتنياهو - وهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب، يُسقط عن نفسه ما تبقى له من سمات الديمقراطية والليبرالية. فالديمقراطية ليست مجرد إجراء انتخابات دورية، وإنما هي أيضاً ضمان حقوق الأقليات، وتعزيز المساواة، واحترام آراء الآخرين، حتى لو كانوا أقلية في المجتمع. وما صرّح به نتنياهو رداً على فيلم "نازا" ليس إلا تعبيراً صريحاً عن أن نتنياهو أصبح يحتضر، ليس سياسياً فحسب، وإنما ديمقراطياً أيضاً. والخيار الوحيد المتبقي له، بعد كل هذا الاحتضار، هو إلغاء الانتخابات والتحول إلى دولة ثيوقراطية تبجّل رجال الدين والحرب، بدلاً من دولة تدّعي الديمقراطية وتمارس الاستبداد والسلطوية. وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري يضع مؤسسات تصنيف الحريات والديمقراطية أمام مسؤولية أخلاقية وعلمية حقيقية: هل ستستمر في وضع إسرائيل ضمن الدول الديمقراطية من دون مراجعة جادة لمعايير التصنيف، أم ستعيد النظر في هذا التصنيف بما ينسجم مع واقع الحريات وحقوق الإنسان على الأرض؟ إن استمرار إدراج إسرائيل في التصنيفات العالمية للدول الديمقراطية، في ظل هذه الممارسات والسياسات، يجعل هذه التصنيفات نفسها موضع تساؤل، ويستدعي من المؤسسات المعنية مراجعة تصنيف إسرائيل وسحبها من قائمة الدول المصنفة ديمقراطية إذا ثبت أنها لم تعد تستوفي المعايير التي تطبقها على غيرها
التعليقات (0)