كاتب ومحلل سياسي سعودي متخصص في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية، ورئيس مركز ديمومة للدراسات والبحوث.
لا تُقاس قوة الدولة بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بقدرتها على إبقاء الجغرافيا التي تحمل تلك الموارد متصلة بقرارها السياسي. وتزداد أهمية هذه القوة عندما تتمركز الموارد الحيوية في أقاليم تختلف تركيبتها السكانية والإثنية عن المركز السياسي.
ومن هنا يكتسب التنوع السكاني والإثني في إيران دلالة جيوبوليتيكية تتجاوز الوصف الديمغرافي، من دون أن يعني ذلك أنه يمثل في ذاته مصدرا تلقائيا للتهديد أو التفكك؛ فالدول المتعددة الهويات قد تحوّل تنوعها إلى مصدر قوة إذا امتلكت مؤسسات إدماج عادلة وفاعلة.
غير أن الحالة الإيرانية تكتسب دلالة جيوبوليتيكية خاصة عندما يتقاطع التنوع مع التفاوت التنموي، وضعف التمثيل، والتمييز المذهبي أو الثقافي، وكثافة الحضور الأمني، ومع وجود امتدادات بشرية وقومية تتجاوز الحدود السياسية للدولة.
عند هذه النقطة تنتقل المسألة من وصف التركيبة السكانية إلى تحليل أثرها في بنية الدولة وتوزيع مواردها وقدرتها على تحويل القوة المادية إلى فعل سياسي وعسكري مستدام.
تنطلق هذه القراءة من معضلة "المركز والأطراف"، ففي الهضبة المركزية ذات الأغلبية الفارسية تتمركز القيادة السياسية والمؤسسات السيادية ومراكز القرار والمال، ولا سيما في طهران وأصفهان وشيراز، بينما تحيط بالدولة أقاليم حدودية ذات تركيبات إثنية وقومية متنوعة: الأذريون في الشمال الغربي على تماس مع جمهورية أذربيجان وتركيا، والأكراد في الغرب ضمن امتداد بشري يتصل بالعراق وتركيا وسوريا، والعرب في الأحواز بمحاذاة العراق والخليج العربي، والبلوش في الجنوب الشرقي على امتداد بلوشستان الباكستانية وبجوار أفغانستان، مع حضور مذهبي سني واضح، ثم التركمان في الشمال الشرقي، إلى جانب التالش وجماعات أخرى عند تخوم القوقاز وآسيا الوسطى.
التعليقات (0)